كيف يربط صندوق النقد بين الفساد البنيوي في لبنان وإصلاح المؤسسات العامة؟
لا يتعامل تقرير صندوق النقد الدولي الأخير ، الذي صدر استجابةً لطلب من السلطات اللبنانية، مع الفساد في لبنان بوصفه مجموعة مخالفات أو تجاوزات فردية يمكن معالجتها بإجراءات ظرفية أو عبر تغيير بعض المسؤولين، بل يقدّمه كنتيجة مباشرة لخلل بنيوي في منظومة الحوكمة العامة. فالأزمة اللبنانية، وفق التقرير، ليست أزمة فساد أفراد بقدر ما هي أزمة مؤسسات وقواعد إدارة، إذ يؤدي ضعف الشفافيةوالمساءلة، وتداخل الصلاحيات، وغياب الرقابة الفاعلة، إلى إنتاج بيئة تسمح بالهدر والريع وتحمي الفساد من المحاسبة.
التقرير يرسم صورة متكاملة لحلقة مفرغة تتغذى فيها عناصر الأزمة بعضها من بعض؛ فالفساد يضعف مؤسسات الدولة والقضاء وأجهزة الرقابة، فيما يؤدي ضعف هذه المؤسسات بدوره إلى توسيع هامش الفساد وتعطيل المساءلة. وينسحب ذلك على مختلف مفاصل الإدارة العامة، من إدارة المال العام والموازنات والمشتريات الحكومية، إلى القطاع المالي ومصرف لبنان، وصولاً إلى المؤسسات والشركات المملوكة للدولة التي تشكل، بحسب التقرير، إحدى أبرز بؤر المخاطر المالية والحوكمية.
ويولي أهمية خاصة للمؤسسات العامة والشركات المملوكة للدولة (SOEs)، باعتبارها مساحة تتقاطع فيها الاعتبارات المالية والإدارية والسياسية. فهذه المؤسسات، رغم دورها الاقتصادي الحيوي، لا تزال تعمل ضمن أطر قانونية وتنظيمية قديمة ومعقدة تسمح بتداخل الأدوار بين الملكية والإدارة والرقابة، وتفتح المجال أمام المحسوبيات والضغوط السياسية وتراكم الخسائر والمخاطر على المالية العامة.

قطاع الخليوي نموذجاً لخلل الحوكمة
ومن بين الأمثلة التي يتوقف عندها التقرير قطاع الاتصالات، وتحديداً شركتا الخليوي Alfa و Touch، إذ يشير إلى أن نموذج الإدارة الحالي لا ينسجم مع مبادئ الحوكمة الحديثة للمؤسسات المملوكة للدولة. فوزير الاتصالات يمارس عملياً أدواراً متعددة تشمل الملكية والإدارة والرقابة، فيما يبقى دور مجالس الإدارة محدوداً، ما يؤدي إلى تركّز الصلاحيات وتراجع المساءلة المؤسسية.
ويورد التقرير مثالاً مباشراً من القطاع، موضحاً أن الشركتين، وهما مملوكتان للدولة، تُداران مباشرة من وزير الاتصالات، بما يتعارض مع مبادئ الحوكمة الرشيدة للمؤسسات المملوكة للدولة، إذ يمارس الوزير بعض صلاحيات مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، إضافة إلى وظائف الملكية والرقابة، فيما يبقى دور مجلس الإدارة أقرب إلى الطابع البروتوكولي.
ورقة إصلاح الحوكمة: من التشخيص إلى الحلول
هنا تبرز أهمية ورقة إصلاح حوكمة قطاع الخليوي، التي كانت "النهار" قد نشرت مضمونها في 25 آب 2025، بعد إطلاقها من منظمة "سمكس" في 14 آب 2025. فالورقة، التي أعدّها خبير الاتصالات والمدير العام السابق لشركة "تاتش" وسيم منصور بالتعاون مع "سمكس"، تناولت تحديداً الخلل البنيوي في إدارة القطاع، واقترحت إنشاء مجلس إدارة مستقل، وتفعيل الرقابة المؤسسية، وتحديد مؤشرات أداء واضحة، ووضع خارطة طريق لمرسوم تنظيمي يفتح المجال لاحقاً لشراكة مستدامة مع القطاع الخاص ضمن قواعد شفافة وواضحة.
وبهذا المعنى، لا تبدو ورقة الخليوي موضوعاً منفصلاً عن تقرير صندوق النقد، بل تمثل حالة تطبيقية لما يدعو إليه التقرير في مجال إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة. فإذا كان التقرير يؤكد أن الإصلاح يبدأ بالحوكمة والشفافية والرقابة وفصل الصلاحيات، فإن الورقة تطرح آليات تطبيق ذلك عملياً في MIC1 و MIC2 من خلال مجلس إدارة فعلي، وعقود أداء واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، ونشر الموازنات والتقارير، واعتماد التدقيق الداخلي والخارجي. وهذه العناصر نفسها ترد في مشروع المرسوم التنظيمي المرفق بالورقة، الذي يهدف إلى وضع إطار ملزم لحوكمة الشركتين، وفصل الملكية عن الإدارة، وإخضاعهما لمعايير الشفافية والرقابة والمساءلة.
إدارة خارجية أم إصلاح فعلي؟
من هنا، يصبح النقاش الدائر حول إعادة إدارة شركتي الخليوي عبر مشغّل خارجي اختباراً حقيقياً لمعنى الإصلاح. فإذا كان المقصود العودة إلى عقود إدارة وتشغيل مشابهة للنماذج التي اعتُمدت في بدايات الألفية، فإن ذلك لا يشكل إصلاحاً بالمعنى الذي يتحدث عنه صندوق النقد. فالمشكلة لم تعد تقتصر على الجهة التي تشغّل الشبكة، بل تشمل أيضاً من يملك، ومن يقرر، ومن يراقب، ومن ينشر البيانات، ومن يحاسب.

الحوكمة أولاً
ويتقاطع الإصلاح المقترح في ورقة الحوكمة مع تقرير صندوق النقد في الجوهر، أي إعادة بناء قواعد الحوكمة قبل أي خيار تشغيلي أو استثماري. لذلك تقترح الورقة إصلاح حوكمة الشركتين أولاً، ومنح هذا النموذج فرصة لإثبات نجاحه، قبل الانتقال إلى مرحلة إدخال شريك استراتيجي لكل شركة عبر مزايدة عالمية علنية وشفافة، بما يسمح بانتقال القطاع تدريجياً من الإدارة المباشرة للدولة إلى نموذج قائم على الشراكة والاستثمار والمنافسة وقواعد السوق.
أما العودة إلى عقود الإدارة والتشغيل، التي أظهرت تقارير ديوان المحاسبة المتعلقة بقطاع الاتصالات، ولا سيما شركتي الخليوي، محدوديتها ومخاطرها في ظل ضعف الرقابة وتداخل الصلاحيات، ومن دون تنفيذ الإصلاحات المسبقة المطلوبة، فلا تعالج جوهر المشكلة التي يشخّصها تقرير الصندوق: تداخل الصلاحيات، وضعف الشفافية، وغياب المساءلة. بل قد تؤدي إلى إعادة إنتاج النموذج نفسه الذي أوصل القطاع إلى هذا المستوى من التراجع وفقدان الثقة.
نبض