قراءة في تحذيرات منظمة الـ "فاو": غذاء العالم رهينة الممرات البحرية والصراعات الجيوسياسية

اقتصاد وأعمال 02-06-2026 | 11:54

قراءة في تحذيرات منظمة الـ "فاو": غذاء العالم رهينة الممرات البحرية والصراعات الجيوسياسية

تكمن خطورة المسألة في الترابط الوثيق بين الطاقة والغذاء. فكل ارتفاع في أسعار النفط ينعكس على كلفة تشغيل المعدات الزراعية والجرارات وأنظمة الري والنقل.

قراءة في تحذيرات منظمة الـ "فاو": غذاء العالم رهينة الممرات البحرية والصراعات الجيوسياسية
حبوب القمح (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. فاضل الزعبي*

 

لم يعد الأمن الغذائي العالمي في عام 2026 يُقاس فقط بحجم المحاصيل الزراعية أو بمستويات الإنتاج في الدول المصدّرة للحبوب، بل بات مرتبطاً بصورة متزايدة باستقرار الممرات البحرية العالمية وبالتوازنات الجيوسياسية التي تتحكم بحركة التجارة والطاقة. وتحذيرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) تعكس هذا التحول بوضوح، إذ تشير إلى أن أي اضطراب في الممرات الاستراتيجية، وفي مقدّمها مضيق هرمز، يمكن أن يتحول إلى أزمة غذائية عالمية تتجاوز حدود الدول المنتجة للنفط لتطال المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

 

فمضيق هرمز الذي يُنظر إليه عادة باعتباره أحد أهم شرايين النفط العالمية، يلعب دوراً محورياً أيضاً في تجارة الأسمدة والمواد الأولية اللازمة للإنتاج الزراعي. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الإمدادات البحرية العالمية من الأسمدة، ولا سيما اليوريا، تمر عبر هذا الممر الحيوي. وبالتالي فإن أي تعطّل أو تهديد لحركة الملاحة فيه لا يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط، بل ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج الزراعي عالمياً.

 

وتكمن خطورة المسألة في الترابط الوثيق بين الطاقة والغذاء. فكل ارتفاع في أسعار النفط ينعكس على كلفة تشغيل المعدات الزراعية والجرارات وأنظمة الري والنقل. كما أن الغاز الطبيعي الذي يشكل ما يقارب ثلثي كلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، يتأثر بدوره بأي اضطراب جيوسياسي في المنطقة. ومع ارتفاع أسعار الطاقة ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة التي قد تسجل زيادات تتراوح بين 15 و20 في المئة خلال فترات التوتر الممتدة، ما يرفع الكلفة الإجمالية لإنتاج الحبوب والمحاصيل الأساسية.

 

ولا تتوقف التداعيات عند حدود المزارع. فالتوترات الجيوسياسية تؤدي أيضاً إلى ارتفاع أقساط التأمين البحري وأجور الشحن على السفن التجارية وناقلات الحبوب. وتشير تقديرات الأسواق إلى أن كلفة استيراد الطن الواحد من الحبوب قد ترتفع بما بين 20 و40 دولاراً نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين فقط. وهذه الزيادات تنتقل تدريجياً إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار الخبز والدواجن والبيض ومنتجات الألبان، ما يحول الأزمة من ملف تجاري إلى قضية معيشية تمس ملايين الأسر.

 

واللافت أن الأزمة الحالية تختلف عن أزمة الغذاء التي شهدها العالم في عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. ففي ذلك الوقت تمحورت المخاوف حول نقص الإمدادات الفعلية من الحبوب وتعطل الصادرات من منطقة البحر الأسود. أما اليوم، فإن التهديد الرئيسي لا يتمثل في غياب الحبوب من الأسواق بقدر ما يتمثل في ارتفاع كلفة إنتاجها ونقلها. ولهذا يرى خبراء أن العالم لا يواجه أزمة عرض تقليدية، بل أزمة كلفة إنتاج ولوجستيات قد تكون أطول أمداً وأكثر تعقيداً.

 

 

أسمدة زراعية (معهد الأسمدة)
أسمدة زراعية (معهد الأسمدة)

 

هل أصبحت الأسمدة أخطر على أسعار الغذاء من نقص الحبوب نفسها؟

 

في خضم الأزمة الراهنة، تبدو الأسمدة عاملاً أكثر حساسية من مخزونات الحبوب نفسها. فالمشكلة الأساسية لا تكمن حالياً في ندرة القمح أو الذرة أو الأرز، إذ لا تزال المخزونات العالمية من القمح عند مستويات توصف بأنها مريحة نسبياً وتبلغ نحو 271 مليون طن. إلا أن استمرار توافر هذه المخزونات لا يضمن استقرار الأسعار مستقبلاً إذا ارتفعت كلفة إنتاج المحاصيل الجديدة.

 

وتُعد الأسمدة النيتروجينية، وعلى رأسها اليوريا، من أكثر المدخلات الزراعية ارتباطاً بأسواق الطاقة. ومع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي ترتفع كلفة تصنيع هذه الأسمدة بصورة شبه تلقائية. وعندما يواجه المزارعون زيادة كبيرة في أسعار الأسمدة، يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تحمل الكلفة الإضافية وتمريرها لاحقاً إلى أسعار المحاصيل، أو تقليص استخدام الأسمدة، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية في المواسم المقبلة.

 

وهنا تكمن خطورة الأسمدة مقارنة بالمخزون. فالمخزونات الحالية تمثل احتياطياً يمكن استهلاكه لفترة معينة، بينما تمثل الأسمدة شرطاً أساسياً لاستمرار تدفق الإنتاج مستقبلاً. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في سوق الأسمدة لا يؤثر فقط على الأسعار الحالية، بل يهدد أيضاً حجم الإنتاج العالمي خلال السنوات المقبلة.

 

ومن هذا المنطلق، لم يعد قياس الأمن الغذائي بعدد أشهر المخزون الاستراتيجي وحده كافياً. فالدول باتت مطالبة أيضاً بتأمين مخزونات تشغيلية من الأسمدة والوقود الزراعي والمدخلات الأساسية، لأن توافر الحبوب اليوم لا يضمن توافرها بالكميات نفسها غداً.

 

 

إلى أي مدى يمكن أن تمتد آثار أزمة أسعار الغذاء؟

 

خلافاً لما كان سائداً في أزمات سابقة، لم تعد تداعيات ارتفاع أسعار الغذاء محصورة بالدول النامية أو الهشة اقتصادياً، بل أصبحت تهدد الاقتصادات المتقدمة أيضاً. فالعولمة جعلت أسواق الغذاء مترابطة إلى حد كبير، وأصبح السعر العالمي للحبوب والطاقة عاملاً مشتركاً يؤثر في الجميع، بغض النظر عن مستوى الدخل أو القوة المالية.

 

صحيح أن الدول الغنية تملك قدرة أكبر على تحمل ارتفاع الأسعار مقارنة بالدول الفقيرة، إلا أنها لا تستطيع عزل أسواقها المحلية عن موجات التضخم العالمية. فارتفاع أسعار الحبوب والطاقة والأسمدة يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الغذائي والصناعي، ما ينعكس على أسعار السلع الاستهلاكية ويرفع معدلات التضخم.

 

كما أن استمرار هذه الضغوط لفترة طويلة قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة لمواجهة التضخم، الأمر الذي ينعكس على النمو الاقتصادي والاستثمارات والاستهلاك. وهكذا تتحول أزمة الغذاء من قضية زراعية إلى عامل مؤثر في الاقتصاد الكلي والسياسات المالية والنقدية.

 

أما بالنسبة إلى الدول العربية، فتبدو أكثر عرضة للتأثر نظراً لاعتمادها الكبير على الاستيراد. فالدول العربية تستورد أكثر من 60 مليون طن من القمح سنوياً، أي ما يقارب ثلث التجارة العالمية للقمح. وأي زيادة في سعر الطن الواحد بنحو 30 إلى 50 دولاراً تعني إضافة مليارات الدولارات إلى فاتورة الاستيراد السنوية، ما يشكل ضغطاً إضافياً على الموازنات العامة واحتياطيات العملات الأجنبية.

 

وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية إنتاج زراعي أو إدارة مخزون استراتيجي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي العالمي. فحماية الممرات البحرية، وضمان تدفق الطاقة، وتأمين الأسمدة، وتنويع مصادر الاستيراد، أصبحت جميعها عناصر أساسية في معادلة الغذاء العالمية. وفي عالم مترابط إلى هذا الحد، لم يعد الخطر الحقيقي يكمن في نقص القمح وحده، بل في هشاشة الشبكة التي تنقله من الحقل إلى المستهلك.

 

 

*خبير دولي في مجال الأمن الغذائي والتنمية الريفية والتعافي ما بعد الأزمات

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
اقتصاد وأعمال 6/1/2026 5:45:00 AM
الخلط الذي حصل بين مفهوم "الأزمة النظامية" و"الأزمة الممنهجة" أسهم في تضليل النقاش العام حول طبيعة الانهيار الذي اصاب مصارف لبنان، ولا يزال عصياً على الحلّ في ظل غياب رؤية حكومية واضحة.
لبنان 6/1/2026 5:21:00 AM
مسؤول أميركي لـ"أكسيوس": "الرئيس جوزف عون سعى إلى طرح هذا المقترح والتوصل إلى اتفاق بشأنه، لكنّ رد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كان مراوغاً ومخيّباً للآمال"
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.