سويسرا لا تزرع البنّ لكنها تبيعه لكل العالم

اقتصاد وأعمال 31-05-2026 | 16:02

سويسرا لا تزرع البنّ لكنها تبيعه لكل العالم

هكذا تحولت سويسرا إلى مركز عالمي لتجارة القهوة رغم عدم زراعتها البن، من خلال التكنولوجيا والتصنيع والابتكار.

سويسرا لا تزرع البنّ لكنها تبيعه لكل العالم
فنجان قهوة صباحي أمام جبال الألب. (فريبيم)
Smaller Bigger

 

في الخريطة الزراعية للقهوة، لا مكان لسويسرا، تقريباً. لا مزارع بُنّ على سفوح الألب، ولا عمال يقطفون حبوب الأرابيكا تحت شمس استوائية، ولا موانئ دافئة كموانئ البرازيل أو فيتنام أو كولومبيا. مع ذلك، عندما نفتح خريطة تجارة القهوة العالمية، تظهر سويسرا في موقع لا يشبه حجمها ولا مناخها: دولة صغيرة في قلب أوروبا، لا تنتج البُنّ أبداً، لكنها صارت واحدة من أهم دول العالم في صناعة القهوة وتصديرها.

 

 

أثمن من الثمرة نفسها

 

الحكاية لا تبدأ من أرض بل من فكرة. سويسرا لم تملك شجرة البن، لكنها امتلكت ما هو أثمن في الاقتصاد الحديث: التكنولوجيا، العلامة التجارية، التصنيع عالي القيمة، وسلاسل التوريد. هنا تحديداً تحوّلت القهوة من محصول زراعي إلى منتج فاخر، ومن حبة خضراء رخيصة نسبياً إلى كبسولة صغيرة تباع حول العالم بسعر يعكس التصميم، والابتكار، والراحة، لا وزن البن فقط.

 

في عام 2023، بلغ استهلاك القهوة في سويسرا نحو 80 ألف طن، أي نحو 9 كيلوغرامات للفرد سنوياً، ما يضع السويسريين بين أكثر الشعوب استهلاكاً للقهوة في العالم. لكن المفارقة الأهم ليست في ما يشربه السويسريون، بل في ما يصدرونه. فوفق منصة القهوة السويسرية المستدامة، تستورد البلاد البن الأخضر، ثم تحمصه وتعيد تصديره، لتصبح ثالث أكبر مصدر أوروبي للقهوة المحمصة من حيث الكمية، وأكبر مصدر في العالم من حيث القيمة، بصادرات قهوة محمصة تقارب 3.5 مليار فرنك سويسري.

 

وجبة قهوة صباحية. (فريبيك)
وجبة قهوة صباحية. (فريبيك)

 

هذه هي كلمة السر: القيمة المضافة. الدول المنتجة تبيع الحبة، أما سويسرا فتبيع التجربة. تستورد البنّ من البرازيل وكولومبيا وفيتنام وغيرها، لكنها لا تتركه كما وصل. يدخل إلى مصانع ومختبرات وشركات تعبئة وتغليف، ثم يخرج في صورة "نسكافيه"، أو "نسبريسو"، أو قهوة محمصة عالية الجودة تحمل توقيعاً سويسرياً. وبحسب مركز CBI الأوروبي، بلغت واردات سويسرا من البن الأخضر 192 ألف طن في 2021، وكان 99% منها يأتي مباشرة من الدول المنتجة، ما يكشف أن سويسرا ليست مجرد محطة عبور، بل لاعب منظم في قلب سلسلة القيمة.

 

 

الأول من نوعه!

 

لكن القصة الحقيقية انفجرت قبل نحو قرن، عندما واجهت البرازيل مشكلة فائض في إنتاج القهوة. في الثلاثينيات، طلبت جهات برازيلية من شركة "نستله" السويسرية المساعدة في إيجاد طريقة لحفظ القهوة وتحويلها إلى منتج سريع التحضير. في مختبرات سويسرا، عمل الكيميائي ماكس مورغنثالر على الفكرة، وفي 1 نيسان/أبريل 1938 وُلدت "نسكافيه" في سويسرا. تقول "نستله" إن مورغنثالر اخترع مسحوق قهوة يحافظ على نكهة الحبة ورائحتها، وكان ذلك "الأول من نوعه" عالمياً.

 

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، ومنحت القهوة السويسرية بطاقة سفر عالمية. فقد أصبحت "نسكافيه" جزءاً من حصص الجنود الأميركيين، وبعد الحرب انتقلت مع هؤلاء الجنود إلى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، كأن الجنود أنفسهم تحولوا إلى سفراء للعلامة. لم تعد القهوة بحاجة إلى وقت طويل لتحضيرها؛ يكفي ماء ساخن وملعقة. وفي عالم خرج من الحرب مسرعاً نحو المدن والمكاتب والمصانع، كانت هذه الفكرة ثورة صغيرة داخل الفنجان.

 

مكبس الإيسبريسو. (فريبيك)
مكبس الإيسبريسو. (فريبيك)

 

بعد عقود، عادت سويسرا لتغيّر شكل القهوة مرة أخرى. هذه المرة لم تكن الثورة في القهوة السريعة، بل في القهوة الفاخرة داخل المنزل. في 1986، أطلقت "نستله" نظام "نسبريسو" بفكرة بسيطة: كيف يمكن لأي شخص أن يصنع فنجان إسبريسو بجودة مقهى، بضغطة زر؟ تقول "نسبريسو" إن الفكرة بدأت في سويسرا وتحولت إلى علامة عالمية موجودة في 81 دولة. وفي العام نفسه، وُلدت أول آلة "نسبريسو" مع أربع كبسولات أساسية.

 

ما فعلته "نسبريسو" لم يكن بيع القهوة فقط. لقد باعت طقساً كاملاً: آلة أنيقة، كبسولة معدنية صغيرة، نكهات محددة، نوادٍ للزبائن، متاجر فاخرة، وإحساس بأن القهوة المنزلية يمكن أن تكون تجربة مترفة. هنا تحولت سويسرا إلى مختبر لفكرة اقتصادية ضخمة: عندما تضيف التكنولوجيا والتسويق والتصميم إلى سلعة زراعية، يصبح هامش الربح مختلفاً تماماً.

 

ولهذا تبدو الأرقام مدهشة. في 2024، صدّرت سويسرا قهوة بقيمة 3.84 مليار دولار، ما جعلها ثالث أكبر مصدر للقهوة في العالم من حيث القيمة، وفق بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي. وفي 2023، أشارت دراسة "ديلويت" إلى أن سويسرا جاءت بين أكبر خمسة مصدّرين للقهوة من حيث قيمة السلع المباعة، بل احتلت المركز الثاني عالمياً خلف البرازيل، بصادرات تجاوزت 3.2 مليارات فرنك سويسري، رغم أنها لا تزرع القهوة ولا تملك سوقاً محلية ضخمة.

 

 

هرمز هنا أيضاً

 

لكن هذه القصة السويسرية الهادئة لا تعيش خارج اضطرابات العالم. فالقهوة، حتى لو حُمّصت في مصانع سويسرا الأنيقة، تبدأ رحلتها من مزارع بعيدة وتعبر بحاراً وموانئ وسلاسل شحن معقدة. لذلك، حين يُقفل مضيق هرمز، لا يتأثر النفط وحده، بل تهتز كلفة فنجان القهوة أيضاً.

 

فالقهوة الخضراء لا تمر كلها عبر هرمز، لكن جزءاً مهماً من تجارة القهوة المتجهة إلى الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية وقطر والكويت، يعتمد على موانئ المنطقة وشبكات إعادة التصدير.

 

تقدّر بيانات حديثة أن الإمارات استوردت في 2025 أكثر من 120 ألف طن من القهوة، بقيمة تقارب 500 مليون دولار، وأعادت تصدير نحو 60 إلى 80 ألف طن منها إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا وأفريقيا، ما يجعل أي اضطراب بحري في الخليج مؤثراً في حركة القهوة الإقليمية.

 

أما التأثير الأكبر فيأتي من الطاقة: إقفال هرمز رفع أسعار النفط فوق 90 دولاراً للبرميل، وفق تقديرات أممية، فيما أشارت تقارير إلى أن علاوات التأمين على السفن في الخليج قفزت من نحو 0.25% من قيمة هيكل السفينة قبل الحرب إلى ما قد يصل إلى 5% في ذروة المخاطر.

 

وهذا يعني أن كلفة الشحن والتأمين والوقود والتخزين، وحتى نقل القهوة من الموانئ إلى المحامص والمقاهي، كلها ترتفع في وقت واحد. هكذا يصل صدى المضيق إلى الفنجان السويسري بنكهة إيرانية: لا لأن البن يُزرع هناك، بل لأن الاقتصاد الحديث يربط حبة القهوة بسعر البرميل، وبمزاج شركات التأمين، وبقرار قبطان سفينة إن كان سيعبر الخليج أم ينتظر.

 

مزرعة قهوة في ولاية ميناس جيرايس، البرازيل. (رويترز)
مزرعة قهوة في ولاية ميناس جيرايس، البرازيل. (رويترز)

 

قصة غير زراعية

 

لا تقف القصة عند "نستله" وحدها. تحولت سويسرا أيضاً إلى مركز لتجارة البن الأخضر والسلع الزراعية. فجمعية تجّار القهوة السويسرية تقول إن أعضاءها يمثلون أكثر من 50% من صادرات القهوة العالمية، ما يعكس ثقل جنيف وزوغ وغيرهما كمراكز لتجارة السلع، لا كمدن صناعية فقط.

 

بمعنى آخر، سويسرا ربحت القهوة من ثلاث جهات: التجارة، التصنيع، والعلامة التجارية. فهي تستورد الحبة من الجنوب العالمي، تضيف إليها التكنولوجيا والمعايير والجودة، ثم تبيعها للعالم بسعر أعلى بكثير. وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية القاسية أحياناً: البلد الذي لا يزرع البن يحصل على جزء كبير من القيمة النهائية، بينما يبقى كثير من المزارعين في الدول المنتجة عند الحلقة الأضعف من السلسلة. لذلك، تحاول منصات سويسرية مثل "Swiss Sustainable Coffee Platform" الدفع باتجاه سلاسل توريد أكثر استدامة، ومشاريع أكثر إنصافاً للمزارعين والمنتجين.

 

قصة القهوة السويسرية ليست قصة زراعة، إنما هي قصة اقتصاد حديث، وحكاية بلد أدرك مبكراً أن الثروة لا تأتي دائماً من امتلاك المادة الخام، بل من معرفة ماذا تفعل بها. البرازيل تزرع، فيتنام تصدر، كولومبيا تمنح القهوة سمعتها العطرية… أما سويسرا، فحوّلت الحبة إلى منتج عالمي، إلى كبسولة، إلى علامة تجارية مسجّلة، إلى مليارات الدولارات.

 

وهكذا... بين جبال الألب الباردة ومزارع البن الحارة، صنعت سويسرا معادلتها الخاصة: لا تحتاج الدولة أن تزرع القهوة كي تصبح مصدراً للقهوة، فيكفي أن تعرف كيف تحمّصها، وتعبئها، وتسوقها، وتحوّلها من حبة بُنّ إلى قصة عالمية، تُشرب كل صباح.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/30/2026 12:05:00 PM
الدوائر المعنية في الحزب تدرس باهتمام كبير الرسالة الجنبلاطية واحتمالاتها وتعدّ لردّ قريب عليها
لبنان 5/30/2026 1:32:00 PM
أفادت معلومات لـ"النهار" بأنّ "القافلة تابعة للكتيبة الإندونيسية، وتقوم بعملية تبديل روتيني، لكنّها تسلك طريق البقاع الغربي لأسباب أمنية، بسبب التصعيد الإسرائيلي في منطقة النبطية في جنوب لبنان".
سياسة 5/29/2026 8:03:00 PM

تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية