فقاعة الذكاء الاصطناعي: هل نعيش طفرة حقيقية أم تكراراً لجنون الأسواق؟
قراءة تاريخ الفقاعات لا يقول إن الذكاء الاصطناعي وهم، بل تقول إن حتى الثورات العلمية الحقيقية يمكن أن تمر بمرحلة مبالغة، ثم تصحيح، قبل أن تستقر قيمتها الاقتصادية الفعلية.
حين يحذّر خبراء الاقتصاد والأسواق من "فقاعة ذكاء اصطناعي"، فيبدو أنهم لا يقصدون أن التكنولوجيا نفسها وهمية أو غير مفيدة، إنما يقصدون أن أسعار الأسهم، وحجم الاستثمارات، وتوقعات الأرباح المستقبلية قد تكون سبقت الواقع كثيراً.
والفقاعة، في معناها الاقتصادي، حالة ترتفع فيها أسعار أصل ما — أسهم، عقارات، سلع، عملات أو شركات تكنولوجية — إلى مستويات أعلى كثيراً مما تبرره الأساسيات الاقتصادية، مثل الأرباح الفعلية أو التدفقات النقدية المتوقعة أو القدرة الحقيقية على توليد قيمة.
ويعرّف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفقاعة بأنها ارتفاع سعر الأصل فوق المستوى الذي تبرره "العوامل الأساسية"، أي القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية المتوقعة. ببساطة: الفقاعة تبدأ عندما لا يعود الناس يشترون الأصل لأنه يساوي هذا السعر، بل لأنهم يعتقدون أن شخصاً آخر سيشتريه لاحقاً بسعر أعلى.
لماذا تحدث الفقاعات؟
تحدث الفقاعات عادة عند التقاء ثلاثة عناصر: قصة مهمة، أموال رخيصة، وسلوك جماعي متفائل. القصة الكبرى قد تكون اكتشافاً جديداً أو ثورة في عالم التقنية أو قطاعاً يبدو قادراً على تغيير العالم. في القرن السابع عشر، كانت القصة مثلاً زهور التوليب النادرة في هولندا، وفي التسعينيات كانت الإنترنت، وفي العقد الماضي كانت العملات المشفرة. اليوم، إنها الذكاء الاصطناعي.
أما الأموال الرخيصة فتأتي غالباً من انخفاض أسعار الفائدة، أو وفرة السيولة، أو سهولة الاقتراض. عندما يصبح التمويل متاحاً، يصبح المستثمرون أكثر استعداداً للمخاطرة. ثم يأتي العامل الثالث: العدوى النفسية. يرى المستثمر أن الآخرين يربحون، فيدخل السوق خوفاً من تفويت الفرصة.
هنا، يتكوّن ما سمّاه الاقتصادي روبرت شيلر "الوفرة غير العقلانية": يتحول التفاؤل إلى قوة مستقلة عن الواقع. وبمرور الوقت، تصبح الأسئلة الصعبة مؤجلة: هل تحقق الشركات أرباحاً كافية؟ هل الطلب الحقيقي موجود؟ هل العائد على الاستثمار يبرر هذه المليارات كلها؟ في الفقاعة، لا تختفي هذه الأسئلة، لكنها تُدفن عميقاً تحت الضجيج.

لماذا يدور الحديث اليوم عن فقاعة ذكاء اصطناعي؟
لا ينبع الحديث عن فقاعة الذكاء الاصطناعي من فراغ: منذ إطلاق نماذجه التوليدية، قفزت أسهم شركات الرقائق والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، وبدأت الشركات الكبرى تضخ مبالغ هائلة في البنية التحتية. بحسب "غولدمان ساكس"، قد تصل الاستثمارات السنوية في بنية الذكاء الاصطناعي إلى نحو 800 مليار دولار بنهاية 2026، فيما تشير تقديرات أخرى للبنك نفسه إلى أن الإنفاق الرأسمالي التراكمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي بين 2026 و2031 قد يبلغ نحو 7,6 تريليونات دولار. وهذه أرقام ضخمة حتى بمعايير وول ستريت.
وبحسب "رويترز"، ارتفع الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي من نحو 260 مليار دولار في 2024 إلى نحو 800 مليار دولار في 2026، وقد يصل إلى 1,12 تريليون دولار في 2027. الأخطر أن هذا الإنفاق بدأ يستهلك نسبة كبيرة من التدفقات النقدية لشركات التكنولوجيا الكبرى؛ إذ تشير تقديرات نقلتها "رويترز" إلى أن الإنفاق الرأسمالي قد يمتص نحو 94% من التدفقات النقدية التشغيلية لكبار اللاعبين في عامين، مع ارتفاع الاقتراض المرتبط بهذه الموجة.
لكن، في المقابل، ليست كل طفرة فقاعة: ثمة فرق مهم بين "الضجيج الاقتصادي" و"التحول الحقيقي". الذكاء الاصطناعي بالفعل يرفع الطلب على الرقائق والخوادم والكهرباء ومراكز البيانات والبرمجيات والخدمات السحابية. كما أن شركات مثل "إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"غوغل" ليست شركات وهمية بلا إيرادات، بل شركات ضخمة تحقق أرباحاً فعلية. لذلك، يحذر بعض المحللين من الفقاعة، بينما يرى آخرون أن ما نراه أقرب إلى "طفرة استثمارية" تاريخية قد تتعرض للتصحيح، لكنها ليست بالضرورة انهياراً شاملاً.
يكمن القلق الأساسي في الفجوة بين الإنفاق والعائد. الشركات تنفق مئات المليارات على مراكز بيانات ورقائق متطورة، لكنها لم تثبت بعد أن كل هذا الاستثمار سيعود بأرباح كافية. إذا تباطأ الطلب، أو انخفضت أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي، أو ظهر أن التطبيقات التجارية أقل ربحية مما توقعه المستثمرون، فقد تتحول الطفرة إلى فقاعة.
بنك إنكلترا وصندوق النقد الدولي حذّرا في 2025 من أن ارتفاع تقييمات أسهم التكنولوجيا بسبب الذكاء الاصطناعي قد يزيد خطر تصحيح مفاجئ في الأسواق. كما أن أوراقاً بحثية نُشرت في 2026 عن أسهم الشركات المكشوفة على الذكاء الاصطناعي وجدت مؤشرات "وفرة" واضحة في بعض الشركات، مع اختلاف كبير بين شركة وأخرى.

ما أكبر الفقاعات والطفرات في تاريخ الاقتصاد؟
تُظهر الفقاعات الاقتصادية نمطاً يكاد يتكرر عبر القرون: تبدأ بمرحلة "الانتباه" حين يكتشف المستثمرون أصلاً أو قطاعاً جديداً يبدو واعداً؛ ثم تأتي مرحلة "الحماسة" فتتدفق الأموال وتبدأ الأسعار بالصعود السريع؛ بعدها تحدث مرحلة "الانفصال عن الواقع" عندما تتجاوز الأسعار الأرباح والحقائق الاقتصادية... ثم تصل السوق إلى "الذروة"، قبل أن يبدأ "الانهيار" مع أول صدمة ثقة أو نقص في السيولة.
هذا النموذج يفسّر لماذا تبدو فقاعات مختلفة — من التوليب إلى الإنترنت — متشابهة نفسياً، وإن اختلفت أصولها.
أولى الفقاعات الشهيرة كانت هوس التوليب في هولندا في ثلاثينيات القرن السابع عشر. لم تكن الزهرة نفسها بلا قيمة، لكنها تحولت إلى أصل مضاربي؛ إذ اندفع التجار والمستثمرون لشراء بصيلات نادرة بأسعار لا يبررها استخدامها الحقيقي. وعندما تراجعت الثقة، انهارت الأسعار سريعاً، لتصبح "التوليب مانيا" المثال الكلاسيكي على تحوّل الندرة والجمال إلى جنون سعري.
وفي عام 1720، شهدت بريطانيا فقاعة بحر الجنوب: ارتفع سهم شركة بحر الجنوب بعدما حصلت على امتيازات مرتبطة بإدارة الدين العام والتجارة مع أميركا الجنوبية. بعض السرديات التاريخية تشير إلى أن سعر السهم قفز من نحو 126 جنيهاً إلى أكثر من 1000 جنيه خلال أشهر، قبل أن ينهار، مدمّراً ثروات آلاف المستثمرين ومفجّراً فضائح سياسية ومالية.
في الفترة نفسها تقريباً، عرفت فرنسا فقاعة الميسيسيبي المرتبطة بمشاريع جون لو المالية والاستعمارية، حين امتزجت الوعود التجارية الكبرى بتوسع نقدي ومصرفي غير مستدام.

ومن الطفرات التي تحولت إلى أزمة أيضاً طفرة السكك الحديد الأميركية في القرن التاسع عشر. فالسكك الحديد كانت تكنولوجيا حقيقية غيّرت الاقتصاد الأميركي، لكنها جذبت تمويلاً ضخماً ومضاربات واسعة في الأسهم والسندات. وعندما تعثرت شركات السكك الحديد، انهارت شركة Jay Cooke & Company في 18 أيلول/سبتمبر 1873، وهذه مؤسسة مالية كبرى كانت مستثمرة بقوة في القطاع، ما ساعد على إشعال ذعر مصرفي واسع عُرف بـ "ذعر 1873". الدرس هنا مهم جداً في سياق الذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا قد تكون ثورية فعلاً، لكن بناء بنية تحتية أكبر من الطلب الفوري قد يحوّل الطفرة إلى أزمة تمويلية.
وفي الولايات المتحدة، مثّلت فقاعة الأسهم في عشرينيات القرن الماضي مقدمة لانهيار وول ستريت في 1929 والكساد الكبير. في تلك المرحلة، انتشر الاعتقاد بأن الاقتصاد الأميركي دخل عصراً دائماً من الازدهار، وازداد الشراء بالهامش، أي شراء الأسهم بأموال مقترضة. وعندما انقلبت التوقعات، لم يكن التصحيح عادياً، بل تحوّل إلى أزمة اقتصادية عالمية طويلة.
أما فقاعة الأصول اليابانية في الثمانينيات فكانت من أضخم الفقاعات الحديثة: ارتفعت أسعار الأسهم والعقارات في اليابان إلى مستويات هائلة، وبلغ مؤشر "نيكاي 225" ذروته في 29 كانون الأول/ديسمبر 1989 عند نحو 38,915 نقطة، قبل أن ينهار في التسعينيات ويدخل الاقتصاد الياباني مرحلة طويلة عُرفت بـ"العقود الضائعة". وتشير بيانات تاريخية إلى أن المؤشر تراجع أكثر من 40% في 1990 وحده، ثم واصل الهبوط لاحقاً إلى مستويات أدنى كثيراً.
وفي نهاية التسعينيات، جاءت فقاعة الإنترنت أو "الدوت كوم". كانت الفكرة الأساسية صحيحة: الإنترنت سيغير العالم. لكن أسعار أسهم شركات كثيرة ارتفعت من دون أرباح أو نماذج أعمال ناضجة. بحسب "غولدمان ساكس"، ارتفع مؤشر ناسداك 86% في 1999 وحده، وبلغ ذروته في 10 آذار/مارس 2000 عند 5,048 نقطة، ثم هبط إلى 1,139 نقطة في تشرين الأول/أكتوبر 2002، أي بخسارة بلغت 77% من القمة. هنا أيضاً، التكنولوجيا نجت، لكن كثيراً من الشركات التي بالغت الأسواق في تقييمها اختفت.
ثم جاءت فقاعة الإسكان الأميركية قبل أزمة 2008 المالية العالمية . غذّتها الفوائد المنخفضة، التوسع في القروض العقارية عالية المخاطر، وتوريق الديون وبيعها في الأسواق العالمية. وعندما بدأت أسعار المنازل في الهبوط، تحولت أزمة الرهن العقاري إلى أزمة مصرفية عالمية. هذه الفقاعة كانت أخطر من فقاعة الدوت كوم لأنها لم تضرب سوق الأسهم فقط، بل أصابت البنوك، الائتمان، الوظائف، والتجارة العالمية.
في العقد الأخير، برزت فقاعة العملات المشفرة كنسخة رقمية من السلوك نفسه: قصة ثورية عن المال اللامركزي، تدفق جماهيري، ارتفاعات سريعة، ثم انهيارات حادة. بلغت القيمة السوقية للعملات المشفرة ذروات قياسية في 2021، قبل أن تتعرض لهبوط كبير في 2022 مع رفع الفائدة وانهيار مشاريع كبرى مثل Terra/Luna ومنصة FTX. وكما في فقاعات سابقة، لم يختفِ القطاع كله، لكن السوق فرّق لاحقاً بين المشاريع ذات الاستخدام الفعلي وتلك التي قامت على المضاربة فقط.
خلاصة القول
أكبر الفقاعات لا تبدأ غالباً بكذبة كاملة، بل بحقيقة يتم تضخيمها. فالتوليب كان نادراً، والسكك الحديد غيّرت النقل، والإنترنت أعاد تشكيل الاقتصاد، والعقارات أصل حقيقي، والذكاء الاصطناعي اليوم تكنولوجيا واعدة جداً.
لكن الفقاعة تحدث عندما تتحول الحقيقة إلى سردية مطلقة، وعندما يصبح السعر مبنياً على الإيمان بالمستقبل أكثر من العائد الفعلي.
لذلك، قراءة تاريخ الفقاعات لا يقول إن الذكاء الاصطناعي وهم، بل تقول إن حتى الثورات العلمية الحقيقية يمكن أن تمر بمرحلة مبالغة، ثم تصحيح، قبل أن تستقر قيمتها الاقتصادية الفعلية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية
نبض