الخبز والزيت والأرز تحت الضغط... الفاو تحذّر من أزمة غذائية في الأشهر المقبلة
سجّل مؤشر أسعار الغذاء العالمي الصادر عن الفاو ارتفاعاً خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعاً بزيادة أسعار الحبوب والزيوت النباتية واللحوم.
بينما يتركّز اهتمام الأسواق العالمية على تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأسعار النفط، تدقّ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) ناقوس خطر من نوع آخر، محذّرة من أن العالم قد يواجه أزمة حادة في أسعار الغذاء إذا استمرّت الاضطرابات التجارية وارتفاع أسعار الطاقة المرتبطان بمضيق هرمز.
لماذا أطلقت الفاو هذا التحذير الآن؟
ترى المنظمة أن إغلاق أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة شحن مؤقتة، بل "صدمة زراعية وغذائية ممنهجة" تهدّد "الأمن الغذائي العالمي".
ويمرّ عبر المضيق جزء كبير من تجارة النفط والغاز والأسمدة عالمياً، فيما تعبر نحو 30% من صادرات اليوريا المنقولة بحراً في العالم من هذه المنطقة، إضافة إلى كميات كبيرة من الأمونيا والفوسفات.

كيف تنتقل الأزمة من الطاقة إلى الغذاء (بحسب تقييمات الفاو)؟
ارتفاع أسعار النفط والغاز.
ارتفاع أسعار الأسمدة وكلفة الشحن.
تراجع استخدام الأسمدة لدى المزارعين.
انخفاض الإنتاج الزراعي.
ارتفاع أسعار الحبوب والمواد الغذائية.
انتقال التضخم إلى المستهلك النهائي.
وحذّر ماكسيمو توريرو، الخبير الاقتصادي في منظمة الأغذية والزراعة، من أن العالم قد يشهد "صدمة غذائية وزراعية" خلال فترة تراوح بين ستة أشهر وسنة، وهي المدة اللازمة عادةً لانتقال أثر ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية إلى أسعار الغذاء النهائية في الأسواق.
وقال توريرو: "يتضمّن ذلك استكشاف "تدخل الحكومات، والمنظمات المالية الدولية، والقطاع الخاص، ووكالات الأمم المتحدة ومراكز البحوث الأخرى لمحاولة مساعدة البلدان على التكيّف بطريقة أفضل مع الوضع الحالي".
المؤشرات بدأت بالظهور فعلاً
سجّل مؤشر أسعار الغذاء العالمي التابع للفاو، ارتفاعاً للشهر الثالث على التوالي في نيسان/ أبريل 2026، حيث بلغ 130.7 نقطة، مرتفعاً بنسبة 1.6% مقارنة بالشهر السابق، حيث شمل الارتفاع الحبوب والزيوت النباتية واللحوم بصورة أساسية، ونقص الأسمدة أصل الأزمة.
وتشير بيانات "الفاو" إلى أن نسبة كبيرة من تجارة اليوريا والأمونيا والفوسفات تمرّ عبر مضيق هرمز، فيما تعتمد دول عديدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية على هذه الواردات للحفاظ على إنتاجها الزراعي.
ويؤدّي ارتفاع أسعار الأسمدة أو نقص توافرها إلى تقليص استخدام المزارعين لها، ما ينعكس مباشرة على إنتاجية المحاصيل الزراعية خلال المواسم اللاحقة. وهذا ما يثير مخاوف من تراجع إنتاج الحبوب الأساسية، وفي مقدمتها القمح والذرة والأرز.
مؤشرات أولية على ارتفاع الأسعار
تأتي هذه التحذيرات في وقت تظهر فيه مؤشرات فعلية على عودة الضغوط إلى أسواق الغذاء العالمية. فقد سجّل مؤشر أسعار الغذاء العالمي الصادر عن "الفاو" ارتفاعاً خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعاً بزيادة أسعار الحبوب والزيوت النباتية واللحوم.
ورغم أن الأسعار لا تزال أقلّ من المستويات القياسية التي سجّلتها عقب اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022، فإن المنظمة ترى أن استمرار الضغوط الجيوسياسية والمناخية قد يدفع الأسعار إلى موجة صعود جديدة.
الدول الأكثر عرضة للخطر
لا تتوزع مخاطر الأزمة بالتساوي بين الدول. فالدول ذات الاكتفاء الذاتي الزراعي المرتفع ستكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمة، بينما تواجه الدول المستوردة للغذاء والطاقة مخاطر أكبر.

وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وأجزاء واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء ستكون الأكثر تأثراً بأيّ ارتفاع حادّ في أسعار الغذاء العالمية.
وتزداد هشاشة هذه الدول بسبب ارتفاع مستويات الدين العام، وضعف العملات المحلية، واعتمادها الكبير على الأسواق الخارجية لتأمين السلع الغذائية الأساسية.
المناخ يضيف طبقة جديدة من المخاطر
لا تقتصر المخاوف على التوترات الجيوسياسية، فالمنظمة تحذر أيضاً من تأثيرات التغيّر المناخي والظواهر الجوّية المتطرفة على الإنتاج الزراعي العالمي.
وحذرت الفاو من التأثيرات المحتملة لظاهرة «إل نينيو»، في وقت تتوقع فيه الهند، إحدى أكبر الدول الزراعية في العالم، أضعف موسم أمطار موسمية منذ 11 عاماً.
كذلك تضغط موجات الحر والجفاف على إنتاج القمح والذرة والأرز في عدة مناطق حول العالم. فالجفاف والحرّ الشديد اللذان يضربان مناطق إنتاج رئيسية، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بتقلبات الأمطار الموسمية في آسيا، قد يؤثران سلباً في إنتاج المحاصيل الزراعية خلال الموسم المقبل.
وعندما تتزامن الصدمات المناخية مع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، تصبح الأسواق الغذائية أكثر عرضة للتقلبات الحادة.
لبنان بين الدول الهشّة
بالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل اعتماده الكبير على استيراد الغذاء والمواد الأولية الزراعية.
فأيّ ارتفاع عالمي في أسعار القمح والزيوت النباتية والأسمدة سينعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية المحلية، خصوصاً في ظلّ التحديات الاقتصادية التي لا تزال تواجهها البلاد.
كذلك قد يزيد ارتفاع تكاليف الشحن البحري والطاقة الضغوط على القطاع الزراعي اللبناني، الذي يعتمد بدوره على مستلزمات إنتاج مستوردة.

ماذا تطلب الفاو من الحكومات؟
تجنّب فرض قيود على صادرات الغذاء والأسمدة.
إيجاد مسارات تجارية بديلة.
توفير تمويل طارئ للمزارعين.
دعم استيراد الأسمدة والمدخلات الزراعية.
تعزيز مخزونات الأمن الغذائي الوطنية.
أمام هذه المخاطر، تدعو الفاو الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استباقية تشمل الحفاظ على انسياب التجارة الدولية، وتجنب فرض قيود على صادرات الغذاء والأسمدة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، ودعم المزارعين لتأمين مستلزمات الإنتاج.
وترى المنظمة أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إن كان العالم سيتجنب أزمة غذائية جديدة، أو سيدخل في موجة تضخمية قد تعيد إلى الأذهان الصدمات التي شهدتها الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة.
وفي وقت لا تزال فيه تداعيات الأزمات الجيوسياسية والمناخية تتفاعل معاً، يبدو أن الأمن الغذائي العالمي يقف مجدداً أمام اختبار صعب قد يحدد مسار أسعار الغذاء خلال العام المقبل.
نبض