الجزائر والمشاريع الزراعية العملاقة.. هل تقود إلى خفض فاتورة الغذاء وتعزيز الأمن الغذائي؟
تتجه الجزائر إلى توسيع استثماراتها الزراعية والحيوانية الكبرى في إطار جهودها لخفض فاتورة الواردات الغذائية وتعزيز مستويات الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.
تسارع الجزائر خطواتها نحو بناء نموذج أكثر استدامة للأمن الغذائي، من خلال التوسّع في المشروعات الزراعية والحيوانية الكبرى واستقطاب استثمارات محلية وأجنبية ضخمة، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي والحدّ من الاعتماد على الواردات الغذائية.
يأتي هذا التوجّه ضمن استراتيجية أوسع لتنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاع الزراعي في النمو، في ظلّ تحدّيات عالمية متزايدة تتعلّق بسلاسل الإمداد وتقلّبات الأسواق وأسعار الغذاء.
التحول الزراعي
ترجمة لهذه الرؤية تكثف الجزائر استثماراتها الزراعية لمواجهة فاتورة استيراد غذائي تتجاوز الـ 10 مليارات دولار سنوياً، مع خطط حكومية لتطوير ثلاث شعب رئيسية هي: الحبوب والحليب واللحوم الحمراء، مع استهداف إنتاج محليّ من الحبوب يصل إلى 9 ملايين طن.
وتعكس المؤشرات الرسمية تنامي أهمية القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني، إذ تشير بيانات وزارة الفلاحة الجزائرية إلى أن القطاع الزراعي حقق قيمة إنتاجية بلغت 37 مليار دولار خلال عام 2025، بما يمثل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما سجلت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار 1311 مشروعاً فلاحياً بقيمة تقارب الـ 4 مليارات دولار منذ عام 2022، مع توقعات بمواصلة النمو خلال الفترة المقبلة.
كذلك، يعزز هذا المسار ما حققته الجزائر على صعيد الأمن الغذائي، بعدما صُنفت كأول دولة أفريقية تمتلك النظام الغذائي الأكثر قدرة على الصمود، وفق مؤشر الأنظمة الغذائية الصامدة (RFSI) الصادر عن "إيكونوميست إمباكت"، بعد أن احتلّت المرتبة الـ 32 عالمياً، وتصدّرت الترتيب الأفريقي أمام جنوب أفريقيا ومصر.
.jpg)
الأمن الغذائي
في هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي أحمد عادل لـ "النهار" إلى أن التوسع في المشروعات الزراعية العملاقة يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الأمن الغذائي في ظل التقلبات الجيوسياسية والمناخية العالمية، مؤكداً أن الاستثمارات الكبرى قادرة على تطوير الإنتاج المحلي ورفع كفاءة القطاع الزراعي وتقليل الاعتماد على الواردات تدريجياً، كما تعكس ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في إمكانيات السوق الجزائرية.
انعكاساً لهذه الرؤية، تمضي الجزائر في تنفيذ واستقطاب مشروعات زراعية كبرى تستهدف توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتعزيز الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، في مقدّمها إعلان شركة "أوزميرت الجزائر" عن إنشاء مزرعة زراعية وحيوانية متكاملة على مساحة 220 كيلومتراً مربعاً في ولاية نعمة، شمال غربي البلاد، تجمع بين زراعة الحبوب والأعلاف وتربية الأبقار والأغنام.
ومن المقرّر أن يضمّ المشروع نحو 19 ألف رأس من الماشية، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 3500 طن من اللحوم و30 مليون ليتر من الحليب، مع الاعتماد على إنتاج الأعلاف داخل المشروع نفسه لتعزيز الاستدامة وخفض تكاليف الإنتاج.
يأتي ذلك متزامناً مع توسّع مشروعات كبرى أخرى، أبرزها المرحلة الثانية من مشروع "بلدنا" باستثمارات تقارب الـ 3.5 مليارات دولار، والذي يستهدف عند اكتماله تربية نحو 270 ألف رأس من الماشية وإنتاج 1.7 مليار لتر من الحليب سنوياً، إلى جانب المشروع الزراعي الجزائري الإيطالي "بي أف الجزائر" الممتد على مساحة 36 ألف هكتار لإنتاج الحبوب، في مشهد يعكس تسارع وتيرة الاستثمار الزراعي والحيواني في البلاد، بهدف تقليص واردات السلع الغذائية الأساسية، التي شكّلت خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من ربع إجمالي فاتورة الاستيراد.
العوائد الاقتصادية المتوقعة
تتزامن هذه الاستثمارات مع توقعات إيجابية للاقتصاد الجزائري، إذ رجح البنك الأفريقي للتنمية نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.1% خلال عام 2026، لترتفع إلى 4.2% في 2027، ما يعكس بيئة داعمة للتوسع في المشروعات الإنتاجية والزراعية الكبرى.
وفي هذا السياق، يؤكد أحمد عادل أن نجاح هذه المشروعات سينعكس على الاقتصاد الجزائري ككل عبر خفض فاتورة الواردات الغذائية وتقليص الضغوط على النقد الأجنبي، بما يدعم الميزان التجاري والاحتياطيات الأجنبية، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة وتنشيط الصناعات المرتبطة بالقطاع مثل التصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية، فضلاً عن دعم تنويع مصادر النمو بعيداً عن المحروقات.
ويرى أن هذه المقومات تعزز فرص الجزائر أيضاً للتحول إلى مركز إقليمي للإنتاج الغذائي في شمال أفريقيا، بشرط معالجة تحديات المياه والتغيرات المناخية وتطوير سلاسل التخزين والنقل لضمان استدامة هذه المشروعات.
وبشكل عام، تعكس المشروعات الزراعية العملاقة في الجزائر توجهاً استراتيجياً لتعزيز السيادة الغذائية وتقليص فاتورة الغذاء عبر توسيع الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات، ما يعزز فرصها في تحقيق الاكتفاء الذاتي وترسيخ موقعها كمركز إقليمي للإنتاج الغذائي في شمال أفريقيا.
نبض