أفغانستان: فقر فوق الأرض وليثيوم بتريليونات الدولارات تحت الأرض

اقتصاد وأعمال 30-05-2026 | 11:44

أفغانستان: فقر فوق الأرض وليثيوم بتريليونات الدولارات تحت الأرض

بلد يملك من المعادن ما قد يغيّر موقعه على خريطة الاقتصاد العالمي، لكنه لا يزال عاجزاً عن انتشال الملايين من مواطنيه من الفقر

أفغانستان: فقر فوق الأرض وليثيوم بتريليونات الدولارات تحت الأرض
أفغانستان فقر فوق الأرض وثروات تحت الارض (أ ف ب)
Smaller Bigger

حين تُذكَر أفغانستان، كثيراً ما تتبادر إلى الذهن صور الحروب الطويلة والاضطرابات السياسية والأزمات الإنسانية المتلاحقة. لكن خلف هذه الصورة المألوفة تختبئ قصة أخرى أقل شهرة وأكثر إثارة للدهشة: قصة بلد يجلس فوق ثروة معدنية هائلة تُقدَّر بنحو تريليون دولار، في وقت يكافح فيه جزء كبير من سكانه لتأمين أبسط متطلبات الحياة.

في عصر تتسابق فيه الدول والشركات الكبرى للسيطرة على المعادن التي ستغذي السيارات الكهربائية والبطاريات العملاقة ومراكز البيانات وشبكات الطاقة النظيفة، تبدو أفغانستان كأنها تحمل مفارقةً يصعب تجاهلها. تُقدَّر الثروة الموجودة في باطن أرضها بما يعادل قرابة 60 ضعف الناتج المحلي الإجمالي الحالي للبلاد، ومع ذلك لا تزال من أفقر بلدان العالم.

يعيش في أفغانستان اليوم أكثر من 43 مليون شخص، بينما لا يتجاوز حجم اقتصادها نحو 17 مليار دولار، وفق أحدث بيانات البنك الدولي. أما متوسط دخل الفرد فلا يزيد على 414 دولاراً سنوياً، وهو من أدنى المستويات عالمياً. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 75 في المئة من السكان يعيشون في حالة انعدام أمن معيشي، فيما يواجه ملايين آخرون مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وتزداد الأوضاع الاقتصادية صعوبة منذ عودة حركة "طالبان" إلى السلطة في أغسطس (آب) 2021. مع توقف جزء كبير من المساعدات الخارجية وتجميد أصولٍ مالية في الخارج وتراجع الاستثمارات الأجنبية، يتعرض الاقتصاد الأفغاني لصدمة قاسية لا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم. وعلى رغم بعض مظاهر الاستقرار النسبي التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، تعكس غالبية المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية واقعاً هشاً، تتراجع فيه فرص العمل وتتقلص الاستثمارات المنتجة.

 

 

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 75 في المئة من السكان يعيشون في حالة انعدام أمن معيشي (أ ف ب)
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 75 في المئة من السكان يعيشون في حالة انعدام أمن معيشي (أ ف ب)

 


ثروات معدنية ضخمة
لكن ما إن ننتقل من سطح الأرض إلى ما يختبئ تحتها حتى تتغير الصورة بالكامل. قبل عقود من الزمن، كشفت دراسات جيولوجية سوفياتية ثم أميركية عن وجود ثروات معدنية ضخمة في أفغانستان، تشمل النحاس والحديد والذهب والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة والأحجار الكريمة، فضلاً عن الليثيوم الذي بات يُعرَف عالمياً بأنه "نفط القرن الحادي والعشرين".

 

 

الأحجار الكريمة (أ ف ب)
الأحجار الكريمة (أ ف ب)


وفي عام 2010، لفتت تقارير أميركية إلى حجم هذه الثروة عندما تحدثت عن موارد معدنية غير مستغلة تُقدَّر قيمتها بنحو تريليون دولار. لكن هذا الرقم، على ضخامته، لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة نهائية أو مبلغاً جاهزاً للتحصيل. هو لا يخص الليثيوم وحده، بل يشمل مجموعة واسعة من المعادن، كما يعتمد على افتراضات تتعلق بالأسعار العالمية وإمكان الاستخراج التجاري والتكاليف المستقبلية، وهي عوامل قد تتغير مع مرور الوقت. يُذكَر أن دراسات جيولوجية تشير إلى وجود موارد واعدة من الليثيوم في نورستان ومناطق أخرى من البلاد.

ومع ذلك، لا يختلف الخبراء على حقيقة أساسية: تمتلك أفغانستان أكبر الثروات المعدنية غير المستغلة في آسيا. يتصدر الليثيوم قائمة المعادن التي تجذب الاهتمام العالمي. هذا العنصر أصبح جزءاً لا غنى عنه في صناعة بطاريات الهواتف الذكية والكمبيوترات والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة. ومع تسارع التحوّل العالمي نحو الطاقة النظيفة، بات الليثيوم أحد أكثر المعادن أهمية في الاقتصاد العالمي المعاصر.

لكن إذا كان الليثيوم يمثل مستقبل أفغانستان المحتمل، فقد يكون النحاس فرصتها الأقرب والأكثر واقعية. في منطقة ميس عينك الواقعة إلى الجنوب الشرقي من كابول يوجد أحد أكبر مكامن النحاس غير المطورة في العالم، وتُقدَّر موارده بنحو 11.5 مليون طن من النحاس وقيمته بنحو 100 مليار دولار. وقد حصلت شركات صينية على حقوق استثماره قبل سنوات طوال، إلا أن المشروع واجه سلسلة من العقبات الأمنية واللوجستية، إضافة إلى وجود موقع أثري مهم في المنطقة أثار جدلاً واسعاً حول كيفية التوفيق بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على التراث. ويعتقد كثيرون من الخبراء أن النحاس قد يكون أكثر قدرة من الليثيوم على توفير عوائد سريعة نسبياً للاقتصاد الأفغاني، نظراً إلى الطلب العالمي المتزايد عليه في مشاريع الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية.

خام الحديد أيضاً!
لا تقف الثروة المعدنية الأفغانية عند النحاس والليثيوم فقط. في منطقة حاجي غك توجد احتياطيات تُقدَّر بنحو 1.8 مليار طن من خام الحديد بقيمة نحو 200 مليار دولار، ما يجعلها من أكبر مكامن الحديد غير المطورة في آسيا. كذلك تضم البلاد احتياطيات من الذهب والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة التي أصبحت جزءاً أساسياً من الصناعات الإلكترونية والعسكرية والتكنولوجية الحديثة.

هذه الموارد الهائلة منحت أفغانستان أهميةً جيوسياسية متزايدة في وقت يشهد فيه العالم ما يشبه "الحرب الباردة المعدنية" الجديدة. لم يعد الصراع بين القوى الكبرى يدور حول النفط والغاز وحدهما، بل أصبح يشمل المعادن الضرورية للتحوّل نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة. وفي مقدم المهتمين بهذه الثروات تأتي الصين. تهيمن بكين بالفعل على جزء كبير من عمليات تكرير الليثيوم وسلاسل إمداد المعادن المستخدمة في البطاريات، ولذلك تنظر إلى أفغانستان باعتبارها فرصة استراتيجية بعيدة الأجل. وخلال السنوات الأخيرة كثفت اتصالاتها الاقتصادية مع حكومة "طالبان" ووسعت اهتمامها بالمشاريع المرتبطة بالتعدين والطاقة والبنية التحتية.

لكن الصين ليست الطرف الفاعل الوحيد في هذا المشهد. فالهند وروسيا وإيران وتركيا تراقب هي الأخرى تطورات القطاع التعديني الأفغاني، ولكل منها دوافعه الخاصة. لا ترغب الهند في رؤية هيمنة صينية كاملة على الموارد الاستراتيجية في المنطقة، بينما ترى إيران فرصاً اقتصادية ولوجستية مهمة، في حين تنظر روسيا وتركيا إلى الملف من منظور يرتبط بمصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية في آسيا الوسطى. أما الولايات المتحدة، فمع أنها ليست طرفاً فاعلاً استثمارياً رئيسياً في قطاع التعدين الأفغاني اليوم، لكنها تتابع الملف من زاويةٍ أوسع تتعلق بالمنافسة العالمية على المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، وخصوصاً في ظل التنافس المتصاعد مع الصين على موارد التحوّل الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة.

المهمة شاقة
على رغم هذا الاهتمام الدولي كله، لا يزال تحويل هذه الثروة النظرية إلى تنميةٍ حقيقية مهمةً شاقة. تمثل البنية التحتية العقبة الأولى، إذ تقع غالبية المناطق الغنية بالمعادن في مناطق جبلية وعرة تفتقر إلى الطرق الحديثة وشبكات السكك الحديد وإمدادات الكهرباء الكافية. ولا ننسى أن أفغانستان بلاد حبيسة لا تمتلك منفذاً بحرياً، الأمر الذي يرفع تكاليف النقل والتصدير ويحدّ من جاذبية الاستثمار. أما العقبة الثانية فتتمثل في البيئة السياسية والمالية. ذلك أن عدم حصول حكومة "طالبان" على اعترافٍ دولي كامل واستمرار القيود المفروضة على النظام المالي الأفغاني، يجعلان من الصعب على الشركات العالمية الحصول على التمويل والتأمين اللازمين لتنفيذ مشاريع بمليارات الدولارات.

وتبقى المخاوف الأمنية حاضرة أيضاً. فالمستثمر الذي يضخ أموالاً ضخمة في مشروعٍ تعديني يحتاج إلى درجة عالية من الاستقرار واليقين، وهي شروط لم تتحقق بالكامل بعد في أفغانستان. وهناك عامل آخر أقل حضوراً في النقاشات العامة لكنه لا يقل أهمية، وهو المياه. يفرض استغلال الليثيوم على نطاق واسع تحدياتٍ مائية وبيئية مرتبطة بعمليات المعالجة الصناعية وإدارة المخلفات التعدينية، وإن كانت طبيعة هذه التحديات تختلف بحسب نوع الخام والتكنولوجيا المستخدمة. وفي بلد يعاني الجفاف وتراجع الموارد المائية وآثار التغير المناخي وضعف البنية التحتية، قد تتحوّل هذه المسألة إلى تحدٍ إضافي أمام تطوير قطاع التعدين.

ويُضَاف إلى كل ذلك تاريخ طويل من الفساد وسوء الإدارة والتعدين غير القانوني، وهي عوامل حرمت الدولة الأفغانية لعقود الاستفادة الكاملة من مواردها الطبيعية. ولذلك تبقى الإيرادات التعدينية الفعلية أقل بكثير من الإمكانات النظرية التي تتحدث عنها الدراسات الجيولوجية، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين الثروة الموجودة في باطن الأرض والثروة التي تصل فعلياً إلى الاقتصاد الوطني.

 

 

 

نحاس يستخدم في الصناعات (أ ف ب)
نحاس يستخدم في الصناعات (أ ف ب)

 

ماذا بعد؟
في النهاية، لا تُختصَر قصة أفغانستان بالليثيوم أو النحاس أو الحديد، بل تتجاوز ذلك إلى سؤالٍ أعمق يتعلق بالعلاقة بين الثروة والتنمية. امتلاك الموارد الطبيعية لا يضمن تلقائياً تحقيق الازدهار، كما أن التاريخ يزخر ببلدان غنية بالموارد ظلت غارقة في الفقر والصراعات، في حين نجحت بلدان أخرى في تحويل ثرواتها إلى مؤسسات قوية ومستويات معيشة مرتفعة. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس كم تملك أفغانستان من الليثيوم أو النحاس، بل ما إذا كانت قادرة على بناء البيئة السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي تسمح بتحويل هذه الثروة إلى رخاء حقيقي. الفرق بين النجاح والفشل لا يصنعه ما يوجد تحت الأرض وحده، بل ما يوجد فوقها من استقرارٍ وحوكمة ومؤسسات فاعلة.

ولهذا، قد يبقى التريليون دولار المدفون في جبال أفغانستان مجرد رقمٍ مذهل في تقارير الجيولوجيين، ما لم تتمكن البلاد من تحويل هذا الكنز الطبيعي إلى فرصة تنموية حقيقية لملايين المواطنين الذين لا يزالون يعيشون على حافة الفقر. وبين إمكان التحوّل إلى قوة معدنية مؤثرة وبين استمرار دوامة الأزمات، تقف أفغانستان اليوم أمام أحد أهم الاختبارات الاقتصادية في تاريخها الحديث.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير 5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال 5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.