العراق وتركيا: شهران لتجنب تعثر جديد في صادرات النفط عبر جيهان
تسابق بغداد وأنقرة الوقت للتوصل إلى اتفاقٍ جديد ينظم صادرات النفط العراقية عبر تركيا، قبل انتهاء العمل بالاتفاق التاريخي الخاص بخط أنابيب العراق–تركيا في 27 تموز/يوليو 2026. وتكتسب المفاوضات أهمية مضاعفة، لأن الخط الواصل إلى ميناء جيهان التركي عاد ليصبح منفذاً حيوياً للعراق، في ظل اضطراب طرق التصدير الجنوبية وتزايد الحاجة إلى بدائل آمنة ومستقرة لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.
الاتفاق الحالي، الذي يعود أصله إلى 1973 وتم تجديده في 2010 مدة 15 عاماً، سمح لعقود بتصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط. لكن تركيا أعلنت في يوليو 2025 أن العمل بالاتفاق والبروتوكولات المرتبطة به سينتهي رسمياً في 27 يوليو 2026، ما يعني أن أمام الطرفين أقل من شهرين فقط للتوصل إلى صيغةٍ بديلة تضمن استمرار التدفقات.
وتدور المفاوضات المرتقبة حول أكثر من ملف تقني وتجاري. فأنقرة تريد اتفاقاً أوسع لا يقتصر على عبور النفط، بل يشمل التعاون في النفط والغاز والبتروكيماويات والكهرباء، بعدما كانت قد أرسلت إلى بغداد مسودة اتفاق طاقة موسّع في صيف 2025. كما تطالب تركيا بآلية تضمن استخدام الخط بطاقته القصوى، معتبرة أن خط كركوك–جيهان لم يعمل تاريخياً بالحجم الذي يبرر تكلفته وأهميته الاستراتيجية.
ويُعد مطلب "الاستخدام الكامل" نقطة حساسة في التفاوض. فالجانب التركي يشير إلى أن الطاقة النظرية للخط تتجاوز 1.5 مليون برميل يومياً، بينما كانت التدفقات الفعلية قبل التوقف أقل كثيراً. وقد نقلت تقارير عن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار إن تشغيل الخط بأقصى طاقته قد يدرّ ما يصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في حال التوصل إلى ترتيب يرفع أحجام الضخ ويؤمّن استمرارية التصدير.
في المقابل، تبدو بغداد معنيةً بالحفاظ على منفذ جيهان من دون تقديم تنازلاتٍ واسعة تمس سيادتها على إدارة الصادرات. فالعراق سبق أن خاض نزاعاً قانونياً طويلاً مع تركيا بشأن صادرات إقليم كردستان المستقلة، انتهى بقرار تحكيم دولي ألزم أنقرة دفع نحو 1.5 مليار دولار لبغداد بسبب صادرات غير مصرح بها بين 2014 و2018، وهو الحكم الذي أدى إلى وقف الخط في آذار/مارس 2023.

عاد الخط إلى الواجهة مجدداً بعد اتفاقات بين بغداد وأربيل لاستئناف جزء من الصادرات الشمالية. ففي آذار/مارس 2026، استؤنفت صادرات خام كركوك عبر جيهان بعد تفاهم بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، مع قدرةٍ أولية مستهدفة عند 250 ألف برميل يومياً، وبدء التدفقات عند نحو 170 ألف برميل يومياً، على أن تذهب الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية.
وتزيد هذه العودة من وزن خط جيهان في حسابات العراق النفطية. فبعد سنوات من اعتماده الكبير على موانئ الجنوب، باتت بغداد تبحث بجدية أكبر عن منافذ تصدير بديلة تقلل مخاطر الاختناقات الجيوسياسية واللوجستية. ويعني فشل الاتفاق مع تركيا أن العراق قد يواجه تعثراً جديداً في صادرات الشمال، في وقت يحتاج فيه إلى كل برميل قابل للتصدير لدعم إيرادات الموازنة وتمويل الإنفاق العام.
لكن الطريق إلى الاتفاق لا يزال معقداً. فهناك ثلاثة مستويات من التفاوض: الأول بين بغداد وأنقرة حول رسوم العبور والالتزامات والكميات؛ والثاني بين بغداد وأربيل حول إدارة نفط الإقليم وتسليم الخام إلى شركة تسويق النفط العراقية "سومو"؛ والثالث مع الشركات الأجنبية العاملة في كردستان، التي تطالب بضمانات مالية وتشغيلية واضحة قبل زيادة الإنتاج والتصدير.
لذلك، لا يتعلق الموعد النهائي في يوليو بمجرد عقدٍ فني لتشغيل خط أنابيب، بل بموازين نفوذ أوسع بين العراق وتركيا وإقليم كردستان. فإذا نجح الطرفان في توقيع اتفاق جديد، فقد يتحول خط كركوك–جيهان إلى ركيزة أساسية في أمن الطاقة العراقي، وربما إلى جزءٍ من شراكة أوسع تربط النفط بالمياه والكهرباء والتجارة. أما إذا فشلت المفاوضات، فقد يجد العراق نفسه أمام تعطيل جديد لمنفذٍ تصديري ثمين أو إغلاقه، في لحظة لا تتحمل فيها أسواقه المالية والنفطية مزيداً من الهشاشة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض