الأنشطة غير النفطية 78 في المئة: كيف تغيّر اقتصاد الخليج العربي خلال 45 سنة؟
لم تعد العلاقات الاقتصادية الخليجية محصورة بالغرب وحده. باتت الصين والهند وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا شريكات رئيسية في التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، في مؤشر على أن الخليج يعيد تموضعه داخل شبكة الاقتصاد العالمي المتعددة القطب.
حين تأسس مجلس التعاون الخليجي في أيار (مايو) 1981، لم تكن اقتصادات المنطقة تحتاج إلى كثير من الشرح. كان النفط يختصر كل شيء تقريباً: النمو، والإنفاق، والوظائف، وحتى المزاج الاقتصادي العام. إذا ارتفعت أسعار الخام، ازدهرت المنطقة، وإذا هبطت، بدأ القلق. في تلك السنوات، كانت مدن خليجية كثيرة لا تزال في بدايات تحوّلها العمراني والاقتصادي، تعتمد على النفط والتجارة التقليدية والمرافئ المحلية. لم يكن أحد يتخيل أن بعض هذه المدن سيصبح بعد عقود قليلة من الزمن مراكز مالية وتجارية وسياحية تنافس كبرى مدن العالم.
من اقتصاد النفط إلى اقتصاد التنويع
بعد 45 سنة، انقلب المشهد. وفق أحدث البيانات الخليجية، باتت الأنشطة غير النفطية تشكل نحو 78 في المئة من الاقتصاد الخليجي، في أبرز التحوّلات الاقتصادية التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة. الرقم، في ذاته، يقول الكثير، ليس لأنه يعني أن الخليج العربي خرج من عصر النفط، بل لأنه يكشف إلى أي حد تغيّرت طبيعة الاقتصاد الخليجي نفسه منذ تأسيس مجلس التعاون.
لا يزال النفط في قلب المعادلة، لكنه لم يعد المعادلة كلها أو معظمها. لا يزال النفط والغاز المصدران الرئيسيان للإيرادات العامة في معظم دول الخليج، لكن الوزن المتزايد للقطاعات غير النفطية غيّر طبيعة الاقتصاد الخليجي مقارنةً بما كان عليه قبل عقود. واليوم، حين يُذكَر الخليج، لا يعود الحديث مقتصراً على الخام وأسعاره. هناك السياحة والطيران والخدمات المالية والموانئ والتكنولوجيا والعقارات والذكاء الاصطناعي والاستثمارات العالمية. وثمة أيضاً مدن باتت مراكز أعمال، وصناديق سيادية تملك حصصاً في شركات وتكنولوجيات تمتد من وادي السيليكون إلى آسيا وأوروبا.

أرقام تعكس تحوّلاً بنيوياً
بلغة الأرقام، يقترب الناتج المحلي الإجمالي لبلدان المجلس من 2.4 تريليون دولار، فيما يسجل الاقتصاد غير النفطي نمواً بنحو 5.3 في المئة. ويعيش في بلدان الخليج اليوم أكثر من 60 مليون شخص، في واحدة من أبرز مناطق العالم على صعيد متوسط الدخل الفردي والقوة الشرائية. هذه الأرقام لا تعني أن المنطقة أصبحت محصنةً بالكامل إزاء تقلبات الطاقة أو الاقتصاد العالمي، لكنها تعكس تحوّلاً حقيقياً: لم يعد الخليج اقتصاداً يستند إلى بيع النفط فحسب، بل بات كذلك اقتصاداً يحاول أن يبني مصادر متعددة للدخل والنفوذ.
لم يكن التحوّل، بطبيعة الحال، خطياً دائماً، ولا خالياً من الهزات النفطية والأزمات المالية والتباطؤ الاقتصادي. لكن ما تغيّر فعلاً هو قدرة اقتصادات الخليج على امتصاص الصدمات مقارنةً بما كانت عليه قبل عقود. في دولة الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، يصعب اختزال الاقتصاد اليوم بالنفط. أبو ظبي ودبي أضحتا خلال سنوات مركزين للتجارة والخدمات والطيران والسياحة والمال. وفي المملكة العربية السعودية، تواصل "رؤية 2030" إعادة تشكيل الاقتصاد على نطاق واسع، من الصناعة والتعدين إلى الترفيه والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
تجارب خليجية متباينة... واتجاه واحد
دولة قطر استخدمت ثروتها الغازية لبناء حضور عالمي يتجاوز الطاقة إلى الاستثمار والبنية التحتية والرياضة والخدمات. أما دولة الكويت فلديها واحد من أكبر الصناديق السيادية في العالم وتسعى إلى توسيع دور القطاع الخاص وتطوير البنية التحتية والخدمات المالية. وتعزز مملكة البحرين موقعها كمركز مصرفي ومالي إقليمي، فيما تعتمد سلطنة عُمان على موقعها الجغرافي لتطوير قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعة والسياحة.
صحيح أن وتيرة التحوّل تختلف من بلد خليجي إلى آخر، لكن الاتجاه العام واضح: ثمة جهود جدية لبناء اقتصادات أقل ارتهاناً لتقلبات النفط وأكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي. وربما هنا تحديداً تكمن أهم نقطة في التجربة الخليجية الحالية. لا يحاول الخليج تنويع اقتصاده فحسب، بل إعادة تعريف موقعه في العالم.
الصناديق السيادية... نفوذ يتجاوز الحدود
هذا يظهر بوضوح في الدور المتصاعد للصناديق السيادية الخليجية، التي تقترب أصولها من خمسة تريليونات دولار، أي أكثر من 30 في المئة من أصول الصناديق السيادية في العالم. لم تعد هذه الصناديق مجرد احتياط للمستقبل، بل صارت أدوات نفوذ اقتصادي واستثماري عالمي، تضخ أموالاً في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والعقارات والأسواق المالية.
الأمر نفسه ينطبق على أسواق المال الخليجية، التي أصبحت أكثر حضوراً في الأسواق الناشئة العالمية، خصوصاً بعد توالي إدراجها في مؤشرات دولية كبرى. لم يعد الخليج مصدراً لرأس المال فحسب، بل أصبح أيضاً سوقاً مالية تجذب المستثمرين العالميين. كذلك بنت المنطقة خلال السنوات الأخيرة احتياطيات مالية ضخمة وفوائض سيادية منحتها هامشاً مهماً من الحماية. لقد بلغ صافي الأصول الأجنبية لدى المصارف المركزية الخليجية نحو 842 مليار دولار، وهو رقم يفسر جزئياً لماذا تبدو اقتصادات الخليج أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنةً بعددٍ من اقتصادات المنطقة.
الاستقرار... ميزة الخليج التنافسية
وفي خلفية هذا كله، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية: الاستقرار. في منطقةٍ تعيش منذ سنوات على وقع الحروب والأزمات والانهيارات، استفادت دول الخليج من هامش استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي سمح لها بالتخطيط البعيد الأجل وجذب رؤوس الأموال والشركات والكفاءات. وساعد هذا الاستقرار أيضاً في تحويل الخليج إلى مركزٍ تجاري ولوجستي عالمي. يبلغ حجم التجارة الخارجية الخليجية نحو 1.6 تريليون دولار، فيما تحوّلت موانئ المنطقة ومطاراتها إلى محطات رئيسية في التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
يؤدي الموقع الجغرافي دوره بالطبع. يقع الخليج بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي. ما صنع الفرق فعلاً هو الاستثمار الهائل في الموانئ والمناطق الحرة وشبكات النقل والطيران. ولعل قطاع الطيران هو المثال الأوضح على ذلك. أصبحت مطارات أبو ظبي ودبي والرياض وجدة والدوحة والكويت والمنامة ومسقط، مثلاً، من محاور النقل الجوي المؤثرة عالمياً.
السياحة والرياضة... اقتصاد الصورة الجديدة
ولا يقتصر الأمر على التجارة والطيران. أصبحت السياحة أيضاً جزءاً أساسياً من الاقتصاد الخليجي. لقد تجاوزت الإيرادات السياحية 120 مليار دولار في عام 2024، مدفوعة بتوسع مشاريع الضيافة والترفيه والفعاليات الدولية والسياحة الثقافية والرياضية.
كان من الصعب تخيل هذا الرقم قبل عقدين فقط، حين كانت المنطقة تُعرَف أساساً كمركز للطاقة والأعمال. اليوم، تغيّرت الصورة. هناك سياحة رياضية وثقافية وترفيهية، ومواسم ومهرجانات ومؤتمرات كبرى. من سباقات "الفورمولا 1" والبطولات العالمية في الإمارات، إلى المشاريع الرياضية الضخمة في السعودية، وكأس العالم في قطر، وسباقات السيارات في البحرين، ونشاطات الفروسية في الكويت، والرياضات البحرية في عُمان، باتت الرياضة جزءاً من الاقتصادات، لا مجرد نشاط جانبي.
مدن ذكية واقتصاد رقمي
حتى المدن الخليجية تغيّرت. المشاريع العمرانية الجديدة، مثل "مصدر" و"نيوم"، ليست مجرد توسع عقاري، بل محاولة لبناء بيئات اقتصادية مختلفة، أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي. في الواقع، تحوّلت المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه مختبراً اقتصادياً مفتوحاً. كثير من المشاريع الضخمة والإنجازات الرقمية والتنظيمات الاقتصادية الجديدة يجري تنفيذها بسرعة يصعب تصورها في مناطق أخرى من العالم، سواء تعلق الأمر بالمدن الذكية أو الخدمات الرقمية أو الطاقة الجديدة أو البنية التحتية العملاقة.

الخليج وسباق الذكاء الاصطناعي
وهنا ربما يدخل الخليج أكثر مراحله طموحاً. تراهن المنطقة بقوة على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. والعالم، مع طفرة الذكاء الاصطناعي، يحتاج إلى طاقة هائلة وتشغيل وتبريد وتمويل، وهي عناصر يملك الخليج جزءاً مهماً منها. وفي الوقت نفسه، تحاول دول المنطقة أن تضمن لنفسها موقعاً في اقتصاد الطاقة المقبل أيضاً، عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية والهيدروجين والتكنولوجيات المخفوضة الانبعاثات.
كذلك لم تعد العلاقات الاقتصادية الخليجية محصورة بالغرب وحده. باتت الصين والهند وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا شريكات رئيسية في التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، في مؤشر على أن الخليج يعيد تموضعه داخل شبكة الاقتصاد العالمي المتعددة القطب.
التحديات مستمرة... لكن التحوّل واضح
لا تزال قطاعات واسعة تعتمد في صورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الحكومي، ولا يزال بناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة يحتاج إلى وقتٍ وسياسات إضافية، خصوصاً في التعليم والإنتاجية وسوق العمل. ويُعَد توليد وظائف نوعية للمواطنين أحد أكبر التحديات التي لا تزال من أبرز مستهدفات السياسات الإصلاحية.
لكن، على رغم ذلك، يبقى حجم التحوّل الذي حدث واضحاً للعيان. قبل 45 سنة، كان الخليج يصدّر النفط إلى العالم. اليوم، هو يصدّر أيضاً رؤوس الأموال والخدمات والسياحة والخبرات اللوجستية والاستثمارات العابرة للقارات، ويحاول أن يرسخ موقعه كأحد المراكز الاقتصادية المؤثرة في عالم يتغير بسرعة. ربما لا يزال النفط يموّل قسماً كبيراً من هذا التحوّل. لكن السؤال لم يعد ما إذا كان الخليج قادراً على التغيير، بل إلى أي مدى يمكن هذا التغيير أن يؤثّر أكثر في عالم يُعَاد تشكيل اقتصاده وتوازناته بسرعة قياسية؟
نبض