خبراء لـ"النهار": اتفاقية الخليج - بريطانيا تُرسي معايير جديدة للتجارة وتفتح أسواقاً بـ20 مليار دولار

اقتصاد وأعمال 22-05-2026 | 13:43

خبراء لـ"النهار": اتفاقية الخليج - بريطانيا تُرسي معايير جديدة للتجارة وتفتح أسواقاً بـ20 مليار دولار

يرى محللون أن بريطانيا تحصد مكاسب فورية من فتح الأسواق الخليجية، فيما يتوقف نجاح الخليج على مدى قدرته على توطين التكنولوجيا وتعميق التكامل في الخدمات.

خبراء لـ"النهار": اتفاقية الخليج - بريطانيا تُرسي معايير جديدة للتجارة وتفتح أسواقاً بـ20 مليار دولار
جانب من توقيع الاتفاقية في لندن (الأمانة العامة)
Smaller Bigger

في الأيام التي أعقبت توقيع المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي على اتفاقية التجارة الحرة في لندن بتاريخ 20 أيار/مايو 2026، بدأ المحللون الاقتصاديون يرسمون صورة أكثر تفصيلاً لما قد تعنيه هذه الاتفاقية فعلياً على أرض الواقع — وما يظل رهناً بمدى التنفيذ.

 

تكتسب الاتفاقية أهمية تتجاوز أرقامها المباشرة، إذ إنها تمثّل أول اتفاقية تجارية بين دول مجلس التعاون ودولة من مجموعة السبع الكبرى، وتجمع في حزمة واحدة: التجارة في السلع والخدمات، والخدمات المالية، والتجارة الرقمية، وحماية الاستثمار، والمشتريات الحكومية، وانتقال الأشخاص. وهو نطاق وصفه جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون، في البيان المشترك الرسمي، بأنه "شامل وحديث" و"مُصمَّم لتحقيق منافع اقتصادية ملموسة ومستدامة وقابلة للقياس".

 

توقيت لا يخلو من حسابات

يقرأ المحللون توقيت الاتفاقية في ضوء ضغوط متشابكة، اقتصادية وجيوسياسية. أفاد نيل كويليام، العضو المنتدب في شركة "أزور ستراتيجي" (Azour Strategy)، للنهار، بأن الاتفاقية جاءت نتيجة تلاقي الضغوط الجيوسياسية مع الحاجة المشتركة إلى إرسال إشارات استقرار، إلى جانب التكامل الاقتصادي بين الجانبين. وأشار إلى أن دول المجلس باتت تميل بوضوح نحو صفقات ثنائية أسرع وأكثر مرونة بدلاً من انتظار مفاوضات أطول مع كتل أكبر كالاتحاد الأوروبي، معتبراً أن ذلك يعكس قدرة الخليج على تعزيز موقعه التفاوضي وتنويع شراكاته بعيداً عن الاعتماد على شريك واحد.

 

من جهته، أشار د. علي الحازمي، المحلل والباحث الاقتصادي السعودي، في مقابلة مع النهار، إلى أن هذا التوقيت مهم لأنه يأتي بعد سنوات من التعثر في مفاوضات سابقة، وفي لحظة تحتاج فيها الأطراف إلى صفقات واضحة وسريعة.

 

نيل كويليام (أرشفية)
نيل كويليام (أرشفية)

 

أبعد من إلغاء الرسوم

يُحذّر كلا الخبيرين من اختزال الاتفاقية في بُعدها الجمركي، رغم أن هذا البُعد وحده يحمل ثقلاً لافتاً. يقضي الاتفاق بإلغاء رسوم جمركية تُقدَّر بنحو 779 مليون دولار (580 مليون جنيه إسترليني) سنوياً على الصادرات البريطانية عند التطبيق الكامل، مع إلغاء فوري لرسوم تعادل 484 مليون دولار (360 مليون جنيه إسترليني) عند دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، وفق بيانات وزارة الأعمال والتجارة البريطانية. وتصل نسبة الرسوم الجمركية المُلغاة على الصادرات البريطانية إلى 93% بحلول السنة العاشرة من تطبيق الاتفاقية، وفق المصدر ذاته.

 

وأفاد الحازمي للنهار بأن الاتفاقية لا تقتصر على إلغاء الرسوم الجمركية، بل تمتد إلى حماية حقيقية للاستثمارات وآليات واضحة لتسوية النزاعات، وهو ما يمنح الشركات يقيناً قانونياً أكبر. ولفت إلى أن الشركات المتوسطة ستكون من أبرز المستفيدين، لأنها تحتاج إلى ضمانات قانونية أكبر من تلك التي تعتمد عليها الشركات الكبرى.

 

وتبلغ قيمة التجارة الثنائية الحالية في السلع والخدمات بين المملكة المتحدة ودول المجلس نحو 71.2 مليار دولار (53 مليار جنيه إسترليني)، فيما يُتوقع أن ترفع الاتفاقية حجم التبادل بنسبة تقارب 20%، بما يعادل إضافة نحو 20.8 مليار دولار (15.5 مليار جنيه إسترليني) سنوياً. كذلك يُتوقع أن تُضيف الاتفاقية نحو 5 مليارات دولار (3.7 مليار جنيه إسترليني) إلى الناتج المحلي البريطاني سنوياً، وهو رقم يُحتسَب مقارنةً بتوقعات الناتج المحلي البريطاني لعام 2040، وفق بيانات وزارة الأعمال والتجارة البريطانية.

 

القطاعات الأكثر استفادة: خدمات وتقنية وطاقة

أفاد كويليام للنهار بأن أكبر تدفقات الاستثمار الجديدة ستتركز في مجالات التحول في الطاقة والخدمات المالية والتكنولوجيا والبنية التحتية والتصنيع المتقدم والطيران، مشيراً إلى أن هذه المجالات تتماشى مع أهداف التنويع الاقتصادي الخليجية، وتنسجم في الوقت نفسه مع نقاط القوة البريطانية في التمويل والابتكار والخدمات المتقدمة. وأضاف أن قطاعات الرعاية الصحية وعلوم الحياة والتعليم يمكن أن تكون من بين المستفيدين أيضاً.

 

أما على صعيد الخدمات المالية والتقنية المالية تحديداً، فتتضمن الاتفاقية للمرة الأولى التزامات خليجية بحرية تدفق البيانات، ما يتيح للشركات البريطانية تخزين بيانات عملائها ومعالجتها خارج المنطقة من دون الحاجة إلى إنشاء مراكز بيانات محلية مكلفة. تُشكّل الخدمات نحو 80% من الاقتصاد البريطاني وقرابة نصف صادراته إلى الخليج، وفق بيانات الحكومة البريطانية. وأفاد الحازمي بأن التركيز على حرية تدفق البيانات وحماية الاستثمارات سيسهم في توسيع أعمال البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، بما يعزز توسع الخدمات الرقمية عبر الحدود.

 

وفي ما يخص الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، رأى الحازمي أن هذه الشراكة يمكن أن تفتح الباب أمام نقل الخبرات وتوطين التقنيات الحديثة وتطوير البنية الرقمية في المنطقة، وهي قطاعات تتصدر أولويات دول الخليج ضمن مساعي التحول الرقمي.

 

دكتور علي الحازمي (أرشفية)
دكتور علي الحازمي (أرشفية)

 

حماية الاستثمار: ضمانة للكبار أكثر من المتوسطين؟

أفاد كويليام للنهار بأن الاتفاقية توفر آلية قوية على مستوى الدول تعزز القدرة على التنبؤ والشفافية والإنفاذ، وهو ما يرفع ثقة المستثمرين. لكنه نبّه إلى أن هذه الصيغة قد تطمئن الشركات الكبرى أكثر من المتوسطة، لأن الأخيرة تحتاج غالباً إلى تفاصيل تنفيذية أوضح في مجالات التراخيص وسرعة الإجراءات القضائية والتحكيم.

 

الخليج يُعزز موقعه التفاوضي

ثمة بُعد استراتيجي يلفت إليه الخبيران يتجاوز العلاقة الثنائية مع بريطانيا. أشار كويليام إلى أن الاتفاقية تبعث برسالة واضحة مفادها أن الخليج قادر على توقيع اتفاقيات متقدمة مع شركاء دوليين كبار، وأنه يتحرك لتنويع تحالفاته الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد على شريك واحد — في إشارة إلى المفاوضات المتعثرة منذ سنوات مع الاتحاد الأوروبي والصين.

 

ويذهب الحازمي أبعد من ذلك، إذ يرى أن هذه الصفقة قد تُسرّع إحياء المفاوضات المتعثرة مع أطراف أخرى، لأنها ترفع سقف التوقعات وتؤكد أن الاتفاقات الشاملة ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية.

 

من يكسب أكثر ومتى؟

يتفق الخبيران على أن الاتفاقية تقوم على مبدأ المكاسب المتبادلة، لكنهما يُفرّقان في التوقيت. يرى كويليام أن بريطانيا تبدو المستفيد الأكبر قليلاً على المدى القريب، نظراً لهيكل الصفقة الذي يفتح الأسواق الخليجية أمام السلع والخدمات البريطانية بإزالة ما يصل إلى 93% من الرسوم الجمركية بحلول السنة العاشرة، فيما كانت صادرات الخليج الرئيسية كالهيدروكربونات تدخل بريطانيا بالفعل بحواجز محدودة.

 

في المقابل، أفاد الحازمي بأن الاتفاقية تقوم على مبدأ "رابح رابح"، غير أن بريطانيا ستستفيد على المدى القصير من إزالة الرسوم وزيادة الصادرات، بينما دول الخليج ستجني فوائد أوسع على المدى المتوسط والطويل من توطين التكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية.
من الجدير بالذكر أن هذه الاتفاقية تُعدّ واحدة من أبرز الصفقات التجارية التي أبرمتها حكومة كير ستارمر منذ توليها السلطة، وفق ما أعلنته الحكومة البريطانية.

 

سعر الصرف المستخدم: 1 جنيه إسترليني = 1.3439 دولار أميركي (20 أيار/مايو 2026)

 

خمس حقائق رئيسية

وُقِّع البيان المشترك في لندن بتاريخ 20 أيار/مايو 2026، وبريطانيا أول دولة في مجموعة السبع تُبرم اتفاقية تجارة حرة مع مجلس التعاون
الاتفاقية تُغطي سبعة محاور: السلع والخدمات والخدمات المالية والتجارة الرقمية وحماية الاستثمار والمشتريات الحكومية وانتقال الأشخاص
%93 من الرسوم الجمركية على الصادرات البريطانية ستُلغى بحلول السنة العاشرة، وفق بيانات وزارة الأعمال والتجارة البريطانية
الاتفاقية تتضمن أول التزامات خليجية بحرية تدفق البيانات عبر الحدود
يُتوقع أن تُضيف الاتفاقية نحو 5 مليارات دولار (3.7 مليارات جنيه إسترليني) للناتج المحلي البريطاني سنوياً مقارنةً بتوقعات 2040، وفق بيانات الحكومة البريطانية

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال 5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار 5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان 5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر