الحج في ضوء "رؤية 2030"... رحلة إيمانية تدعم اقتصاد ما بعد النفط

اقتصاد وأعمال 22-05-2026 | 11:16

الحج في ضوء "رؤية 2030"... رحلة إيمانية تدعم اقتصاد ما بعد النفط

كيف أصبح الحج والعمرة جزءاً من الاقتصاد السعودي، ودور لرؤية 2030 في تحويلهما إلى نشاطات اقتصادية مستمرة على مدار العام.

الحج في ضوء "رؤية 2030"... رحلة إيمانية تدعم اقتصاد ما بعد النفط
موسم الحاج رؤية 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل أسابيع قليلة من بدء موسم الحج، تبدأ مدن كاملة في المملكة العربية السعودية بتغيير إيقاعها. تمتلئ المطارات بقادمين من أنحاء العالم كله، وترفع الفنادق جاهزيتها، وتدخل آلاف الحافلات الخدمة، فيما يعمل عشرات آلاف الموظفين والعمال خلف الكواليس لضمان انسياب واحدة من أكبر الحركات البشرية السنوية على وجه الأرض. يرى ملايين المسلمين في الحج رحلة إيمان وعمر، قد يمتدّ انتظار تحقّقها سنوات طويلة. لكن الحج أصبح أيضاً جزءاً من مشروع اقتصادي سعودي ضخم يسعى إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للسياحة والخدمات، من ضمن خطط التنويع الاقتصادي المندرجة تحت مظلة "رؤية 2030".

في موسم الحج لعام 2025 بلغ عدد الحجاج نحو 1.67 مليون حاج، قدم أكثر من 1.5 مليون منهم من خارج المملكة، ووصل القسم الأكبر من هؤلاء عبر المطارات. لكن المشهد الاقتصادي المرتبط بالحج لم يعد يقتصر على أيام المناسك فقط. باتت العمرة، التي تمتد على مدار العام، رافعة اقتصادية أساسية من ضمن "رؤية 2030" التي تستهدف تقليل الاعتماد على النفط وتوسيع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد.

ولهذا أدرجت المملكة "برنامج خدمة ضيوف الرحمن" في برامج الرؤية الرئيسية، مستهدفة رفع عدد المعتمرين إلى 30 مليوناً سنوياً بحلول عام 2030. تشير بيانات البرنامج إلى خدمة أكثر من 18.5 مليون حاج ومعتمر قدموا من الخارج عام 2024، في إطار سعي المملكة إلى تحويل السياحة الدينية من نشاط موسمي محدود إلى دورة اقتصادية مستمرة طوال العام تشمل السياحة والطيران والضيافة والبيع بالتجزئة والنقل والخدمات الرقمية.

لا تنشر الرياض رقماً رسمياً مخصّصاً لعوائد الحج والعمرة، لكن تقديرات اقتصادية وصحافية دولية تضع العوائد السنوية المباشرة للأنشطة المرتبطة بالحج والعمرة عند نحو 12 مليار دولار، فيما ترتفع القيمة الاقتصادية في صورة أكبر عند احتساب الإنفاق غير المباشر والاستثمارات الفندقية والعقارية والبنية التحتية المرتبطة بالمشاعر المقدسة. ولهذا أصبح "اقتصاد الزائر الديني" أحد أبرز خطط المملكة المخصصة لمرحلة ما بعد النفط.

 

 

  صور تظهر حجاج مسلمون  حول الكعبة المشرفة في المسجد الحرام (أ ف ب)
صور تظهر حجاج مسلمون حول الكعبة المشرفة في المسجد الحرام (أ ف ب)

 

 

هذا التوجه يظهر بوضوح في حجم الاستثمارات الجارية، خصوصاً في مكة المكرمة والمدينة المنورة. تتوسع الفنادق بوتيرة متسارعة، وتتزايد المشاريع العقارية الضخمة حول الحرمين، فيما يجري تطوير المطارات ووسائل النقل والقطارات لتسهيل حركة ملايين الزوار. تشير بيانات رسمية إلى أن عدد مرافق الضيافة المرخصة في مكة تجاوز ألف منشأة بنهاية عام 2024، مع استمرار بناء آلاف الغرف الفندقية الجديدة استعداداً لأعداد أكبر من الحجاج والمعتمرين.

وراء كل حاج قصة إنسانية، لكن خلف كل رحلة أيضاً سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية. منذ لحظة الحجز، تبدأ دورة كاملة تشمل شركات الطيران، ومكاتب السفر، والفنادق، والنقل الداخلي، والإقامة، والاتصالات، وحتى محال الهدايا والتطبيقات الإلكترونية. يبيع كثيرون ذهباً أو يدخرون لسنوات طويلة أو ينتظرون دورهم في القرعة لكي يتمكنوا من أداء الفريضة مرة واحدة في حياتهم، فيما يختار آخرون حملات منخفضة التكلفة خلال فترات ارتفاع أسعار السفر عالمياً.

وخلال الموسم، تنشط أيضاً أعداد ضخمة من الوظائف الموقتة في النقل والضيافة والصحة والخدمات الغذائية والتنظيف والأمن. وفق بيانات رسمية، شارك أكثر من 420 ألف عامل من القطاعين العام والخاص في خدمة حجاج موسم عام 2025، إضافة إلى أكثر من 34 ألف متطوع، ما يجعل الحج أيضاً موسماً اقتصادياً للعمل والدخل بالنسبة إلى أعداد كبيرة من المواطنين والمقيمين.

كذلك تدخل التكنولوجيا بقوة إلى المشهد في إطار سعي المملكة إلى تقديم تجربة أكثر كفاءة وتنظيماً. أصبح الهاتف الذكي اليوم رفيق الحاج الجديد، من الحجز واستخراج التصاريح إلى التوجيه والتنقل. وباتت أنظمة البيانات والذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من تنظيم الموسم وتخفيف الازدحام وإدارة حشود الحجيج وتحسين الخدمات الصحية والأمنية.

وإذ يواجه هذا الاقتصاد العملاق تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة حين يحل الموسم في الصيف، وتزايد تكلفة الحج على كثير من العائلات المسلمة، تخصص الرياض استثمارات مستمرة في التبريد والبنية التحتية والنقل والخدمات الصحية في ضوء سعيها إلى زيادة أعداد الزوار من ضمن أهداف "رؤية 2030".

وقد أثّرت التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران في موسم الحج هذا العام عبر إغلاقات الأجواء، وارتفاع تكاليف السفر الجوي، وتحويل مسارات الطيران المدني، ما انعكس زيادات في أسعار تذاكر الطيران وباقات الحج في عدد من البلدان الإسلامية بين 10 و15 في المئة، مع ارتفاع أسعار الوقود وفرض بعض شركات الطيران رسوماً إضافية مرتبطة بمخاطر الحرب. كذلك، تراجع عدد الحجاج الإيرانيين من نحو 90 ألفاً إلى نحو 30 ألف حاج، وفق تقارير إعلامية. وقد عمدت الرياض إلى تعزيز ترتيباتها لنقل بعض الحجاج عن طريق البر.

في النهاية، يبقى الحج قبل كل شيء رحلة روحانية وإنسانية عميقة. لكن هذه الرحلة أصبحت أيضاً جزءاً أساسياً من استراتيجية سعودية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني. في كل عام، وفي الوقت الذي يتحرك ملايين البشر بملابس الإحرام البيضاء نحو المشاعر المقدسة، تتحرك معهم أيضاً واحدة من أكثر الدورات الاقتصادية فرادة في العالم؛ دورة تمتزج فيها الروحانية بالتنويع الاقتصادي والثقة بمشاريع ما بعد النفط.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
كتاب النهار 5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان 5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
لبنان 5/21/2026 8:26:00 AM
يجد الضباط صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادات العليا