رئيس "ماغنيت" لـ"النهار": القطاع الخاص يتسلّم قيادة منظومة الاستثمار الجريء في المنطقة بعد أن رسّختها الحكومات
بحوشي يصف هيمنة السعودية والإمارات على خريطة الاستثمار المؤسسي بأنها "هيكلية وليست دورية"، إذ استأثر البلدان بـ86% من إجمالي التمويل المؤسسي في المنطقة.
قال فيليب بحوشي، الرئيس التنفيذي لمنصة "ماغنيت" (MAGNiTT)، إن الاستثمار المؤسسي في الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "تحوّل من أداة تمويل مكمّلة إلى ركيزة هيكلية في أجندة التنويع الاقتصادي"، مضيفاً في حديثه لـ"النهار" أن الشركات الكبرى "لم تعد تكتفي بالاستثمارات الانتهازية، بل أصبحت تشارك عبر آلية منسّقة في بناء الاقتصاد الرقمي".
وجاءت تصريحاته في معرض تعليقه على أول تقرير مشترك يرصد نشاط الاستثمار المؤسسي الجريء في المنطقة، أصدرته منصة "ماغنيت" ومجموعة الاتصالات السعودية "إس تي سي" (stc) في أيار/مايو 2026، مستعرضاً بيانات الفترة الممتدة بين عامَي 2021 و2025 عبر 16 سوقاً.
من الحكومة إلى القطاع الخاص: تحوّل في القيادة
أشار بحوشي إلى أن منظومة الاستثمار الجريء في المنطقة قامت، في مراحلها الأولى، على دعم حكومي واسع، "سواء عبر هياكل الصناديق أو التشريعات والسياسات"، غير أن السوق باتت تدخل مرحلة مختلفة من النضج. وقال لـ"النهار": "في السوق الناضجة، تؤدي الشركات دوراً محورياً. والقطاع الخاص — سواء عبر الاستثمار المباشر أو برامج التسريع أو التخصص القطاعي — هو مفتاح تطور المنظومة، ونتوقع أن يستمر هذا دافعاً للنمو".
وتأتي هذه التصريحات في سياق بيانات تُظهر أن أثر المستثمر المؤسسي يفوق حجمه الظاهر. فمن أصل إجمالي رأس المال الجريء البالغ 15.4 مليار دولار، والموزّع على 3329 صفقة خلال خمس سنوات، شارك المستثمرون المؤسسيون في 12% من الصفقات، وضخّوا 12% من إجمالي رأس المال مباشرةً. غير أنهم كانوا شركاء في جولات تمثل 37% من القيمة الكلية للتمويل الجريء. وأوضح بحوشي أن ذلك "يعني أن الشركات الكبرى حاضرة باستمرار كمستثمرين مشاركين في أكبر صفقات المنطقة، يُرسّخون الجولات ويمنحون المستثمرين الآخرين الثقة للمشاركة إلى جانبهم".
وعلى صعيد حجم الضخ، تشير بيانات التقرير إلى أن المستثمرين المؤسسيين ضخّوا ما بين 200 مليون و500 مليون دولار سنوياً، محافظين على حصة سنوية ثابتة تتراوح بين 9% و18% من إجمالي تمويل رأس المال الجريء في المنطقة، حتى في سنوات تقلّب السوق. وبلغت الذروة عام 2022 عند 534 مليون دولار، قبل أن يتراجع النشاط في عام 2024 بالتوازي مع تباطؤ السوق، ثم يتعافى إلى 381 مليون دولار في عام 2025 مع عودة الاستثمار في المراحل المتأخرة.

السعودية والإمارات: ثقل هيكلي يعزّز نفسه
وصف بحوشي هيمنة السعودية والإمارات على خريطة الاستثمار المؤسسي بأنها "هيكلية وليست دورية". وتدعم أرقام التقرير هذه القراءة؛ إذ استأثر البلدان بـ86% من إجمالي التمويل المؤسسي، رغم أنهما استقطبا 67% فقط من الصفقات، ما يشير إلى أن متوسط أحجام الصفقات فيهما أكبر بكثير. وتستضيف السعودية 46% من المستثمرين المؤسسيين المرصودين على المنصة، فيما تبلغ حصة الإمارات 24%، بينما صدرت نحو 80% من صفقات "الميغا" الكبرى في المنطقة خلال السنوات الخمس عن شركات ناشئة مقيمة في هاتين السوقين.
وعزا بحوشي هذا التركّز إلى جملة عوامل متشابكة؛ فمشاركة صناديق الثروة السيادية، مثل صندوق الاستثمارات العامة وشركة أبوظبي القابضة (ADQ)، إلى جانب مبادرات مثل "رؤية 2030"، "أرست التزامات رأسمالية طويلة الأجل تمنح الشركات الكبرى الثقة للاستثمار إلى جانبها". ويُضاف إلى ذلك أن أكبر البنوك وشركات التجزئة الإقليمية، وهي الأكثر نشاطاً في الاستثمار المؤسسي سواء عبر الاستثمار المباشر أو عبر الالتزام بصناديق رأس المال الجريء، تتمركز في السوقين، فضلاً عن ضغط تنظيمي وحكومي متواصل في البلدين لإشراك الشركات الكبرى في منظومة الشركات الناشئة.
وأضاف بحوشي أن هذا التركّز يعمّقه عامل هيكلي آخر، يتمثل في "الدوّامة الذاتية التي يصنعها وجود خطوط متقدمة من الشركات الناشئة في المراحل المتأخرة، وشبكات التمويل المشترك، ومسارات الخروج — وهي ميزة هيكلية حقيقية يصعب على الأسواق الأصغر تكرارها بسرعة".
فجوة عن المعايير العالمية وفرصة للنمو
رغم هذا النشاط، يرى بحوشي أن السوق لا تزال بعيدة عن مرحلة التشبع. فنسبة مشاركة المستثمرين المؤسسيين، البالغة 12% من إجمالي الصفقات، تقلّ عن المعيار الدولي الذي يتراوح بين 15% و17%، وفقاً لتقرير رأس المال الجريء العالمي الصادر عن "بي في كيه" (BVK) لعام 2025. وقال لـ"النهار": "ثمة فرصة أكبر للشركات — ليس في دول الخليج فحسب بل في جميع الأسواق — للمشاركة إما كمستثمرين مباشرين أو كممولين لصناديق الاستثمار الإقليمية. هذا هو المسار الطبيعي لتطور السوق نحو مزيد من النضج".
التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية تقودان وقطاعات جديدة تصعد
على صعيد القطاعات، أفاد بحوشي لـ"النهار" بأن التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية استأثرتا مجتمعتَين بـ41% من الصفقات المدعومة من الشركات، و56% من إجمالي التمويل المؤسسي خلال السنوات الخمس، مدفوعتَين بصفقات كبرى أبرزها "حالاً" (Halan) بـ157.5 مليون دولار، و"فلاورد" (Floward) بـ156 مليون دولار، و"نانا" (Nana) بـ133 مليون دولار. وأوضح أن ذلك "يعكس طبيعة المستثمرين الأكثر نشاطاً في المنطقة، وهم المؤسسات المالية وشركات الاتصالات والتجزئة، التي تستثمر في القطاعات ذات التداخل التشغيلي المباشر مع أعمالها للحصول على قيمة استراتيجية تتجاوز العائد المالي البحت".
واستقطب قطاع النقل والخدمات اللوجستية 10% من التمويل المؤسسي، في سياق بناء منظومات رقمية تربط المدفوعات والتوصيل والتجارة الإلكترونية، "وهي ليست رهانات قطاعية معزولة، بل استثمارات عبر سلسلة القيمة لبناء بنية تحتية متكاملة حول الأعمال الجوهرية".
وأشار بحوشي إلى أن القطاعات الأعلى جذباً للاستثمار المؤسسي — التكنولوجيا المالية وتقنية المؤسسات والبنية التحتية الرقمية — "تنعكس مباشرةً على أعمدة الاقتصاد الرقمي في رؤية 2030 والاستراتيجيات الوطنية الإماراتية، إذ تضخّ الشركات رأسمالها في القطاعات التي تتقاطع فيها الأولويات الوطنية مع الفرصة التجارية".
وتوقّع أن تتوسع الخريطة لتشمل الرعاية الصحية والطاقة والذكاء الاصطناعي والحلول المناخية بوصفها "الموجة التالية، مدفوعةً بطلب هيكلي إقليمي مع ازدياد تطور الشركات في كيفية توظيف رأس المال الجريء".
"تالي فنتشرز": نموذج القيمة التي تصحب الشيك
يستشهد التقرير بـ"تالي فنتشرز" (tali ventures)، الذراع الاستثمارية لمجموعة إس تي سي، مثالاً على ما وصفه بحوشي بـ"القيمة التي تصحب الشيك". وأوضح لـ"النهار" أن شركتَي "نيربي" (Nearpay) و"نورث لادر" (NorthLadder) "حصلتا على الوصول إلى شركات stc التابعة وقاعدة عملائها، ما أتاح لهما التوسع التجاري بوتيرة أسرع بكثير مما كان يتيحه رأس المال وحده".
وتوثّق أرقام التقرير هذه النتيجة؛ إذ نمت "نورث لادر" من 10 دول وقت الاستثمار إلى أكثر من 22 دولة اليوم، وتستحوذ على 95% من سوق منطقة الخليج، فيما يمرّ 25% من إيراداتها عبر قنوات مجموعة إس تي سي. وعلى المنوال ذاته، تجاوزت 40% من إيرادات "نيربي" عبر قنوات go-to-market المشتركة مع إس تي سي.
وورد في التقرير، في كلمة معتز العنقري، المدير التنفيذي للاستثمار في مجموعة إس تي سي، أن المجموعة أدركت مبكراً أن دورها "يتجاوز إدارة منظومة اتصالات وتقنية قوية"، مضيفاً أن "هذا التوجه قاد جهودنا لدعم الاستثمار المؤسسي الجريء منذ عام 2011"، وأن المجموعة ضخّت ما يزيد على 1.15 مليار دولار عبر استثمارات مباشرة وغير مباشرة حتى اليوم.
مصر والسؤال العابر للحدود
لا تعكس الخريطة الإقليمية توزيعاً متوازناً. فمصر، الأكثر سكاناً في المنطقة، تمثل 16% من الصفقات المدعومة بالشركات فقط، من دون أن يتناسب حجم التمويل مع هذا النشاط. وأوضح بحوشي أن "الفجوة ليست مجرد فجوة رأس مال"، مشيراً إلى أن "تقليصها يتطلب تحسينات تنظيمية وأدوات تمويل مشترك وشركات ناشئة قادرة على الوصول إلى مراحل النمو المتأخرة".
وأشار إلى أن السؤال الأبعد مدىً هو ما إذا كانت الشركات السعودية والإماراتية ستعمّق استثماراتها العابرة للحدود في أسواق مثل مصر وشمال أفريقيا وباكستان، قائلاً لـ"النهار" إن "انتقال البنوك وشركات الاتصالات والتجزئة الكبرى إلى دعم الشركات الناشئة خارج أسواقها المحلية بالقناعة ذاتها سيُشكّل محفزاً مهماً للمرحلة المقبلة — لكن هذه الدور الإقليمي لا تزال في طور النضوج".
خمس حقائق رئيسية
• بلغ إجمالي رأس المال الجريء في المنطقة 15.4 مليار دولار عبر 3329 صفقة خلال 2021-2025 في 16 سوقاً.
• يمثل المستثمرون المؤسسيون 12% من الصفقات والرأس المال المباشر، لكنهم شاركوا في جولات تمثل 37% من إجمالي قيمة التمويل.
• استأثرت السعودية والإمارات بـ86% من التمويل المؤسسي رغم أنهما لا تمثلان سوى 67% من الصفقات.
• حافظ رأس المال المؤسسي على حصة سنوية بين 9% و18% رغم تقلبات السوق، وبلغ 381 مليون دولار عام 2025.
• استأثرت التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية بـ56% من التمويل المؤسسي، بصفقات كبرى أبرزها "هلان" و"فلاور" و"نانا".
نبض