رجل الأزمات كيفن وارش على رأس الفيدرالي وأمامه ثلاثة تحدّيات
محامٍ من هارفارد، ومصرفي سابق في مورغان ستانلي، عايش أزمة 2008 من داخل البنك المركزي الأميركي. واليوم يتولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي وسط تضخم متصاعد، وضغوط من ترامب لخفض الفائدة، وتساؤلات مفتوحة حول حدود استقلاليته.
يصل كيفن وارش إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي محمّلاً بإرثين متناقضين: إرث رجل عرف الأزمات من الداخل، وإرث ناقد طالما شكّك في المسار الذي سلكه البنك المركزي بعد 2008. وبين تضخم لم يُحسم، ورئيس يضغط لخفض الفائدة، ومجلس منقسم يحتاج إلى قيادة لا إلى صدام، سيُختبر وارش سريعاً في السؤال الأهم: هل يستطيع أن يقود الفيدرالي من داخل العاصفة، لا أن يكتفي بتشخيصها من خارجها؟
تولّى وارش رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بعدما أقرّ مجلس الشيوخ تعيينه بتصويت 54 مقابل 45 في 13 أيار/مايو 2026، في واحدة من أكثر عمليات التصويت على هذا المنصب انقساماً. فقد صوّت لصالحه جميع الجمهوريين وعضو ديموقراطي واحد فقط، هو السناتور جون فيتيرمان من بنسلفانيا. غير أن وارش ليس غريباً عن البنك المركزي؛ فقد جلس إلى طاولته في إحدى أحلك لحظاته: الأزمة المالية العالمية في 2008.
الرجل الذي صنعته أزمة 2008
وُلد كيفن ماكسويل وارش عام 1970 في مدينة آلباني بولاية نيويورك. درس السياسة العامة، مع تركيز على الاقتصاد والإحصاء، في جامعة ستانفورد، وتخرّج فيها بامتياز عام 1992. ثم التحق بكلية الحقوق في جامعة هارفارد، حيث ركّز على تقاطع القانون والاقتصاد والسياسة التنظيمية، ونال درجة الحقوق عام 1995. وتابع دراسات إضافية في اقتصادات السوق وأسواق رأس المال في كلية هارفارد للأعمال وكلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
في عام 1995، انضم وارش إلى قسم الاندماجات والاستحواذات في بنك مورغان ستانلي (Morgan Stanley) في نيويورك، بمسمّى نائب رئيس ومدير تنفيذي، وعمل مستشاراً مالياً لشركات في قطاعات التصنيع والمواد الأساسية والخدمات المهنية والتكنولوجيا، إلى جانب مشاركته في هيكلة معاملات أسواق رأس المال وتيسير التمويل.
وفي شباط/فبراير 2002، انتقل إلى إدارة الرئيس جورج بوش الابن، مساعداً خاصاً للرئيس للسياسة الاقتصادية وسكرتيراً تنفيذياً في المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض، كما كان عضواً في فريق العمل الرئاسي للأسواق المالية. وفي العام نفسه، تزوّج جين لودر، حفيدة مؤسسة إمبراطورية إيستي لودر (Estée Lauder) للتجميل، ما عزّز صلاته بالمؤسسة الجمهورية.
وحين رشّحه بوش عام 2006 محافظاً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وأدّى اليمين في 24 شباط/فبراير من ذلك العام، أصبح وارش، وهو في الخامسة والثلاثين، أصغر شخص يشغل هذا الموقع في تاريخ البنك المركزي الأميركي.
وخلال أزمة 2008، اضطلع بدور الوسيط الرئيسي بين الفيدرالي ووول ستريت، إلى جانب تمثيل البنك في مجموعة العشرين، وعمله قناة اتصال مع اقتصادات آسيا الناشئة والمتقدمة. وقد أشاد به دون كوهن، نائب رئيس الفيدرالي آنذاك، قائلاً: "لقد أتى بخبرة حقيقية؛ كان يعرف هؤلاء الناس في وول ستريت، ويميّز بين من يدافع عن مصالحه ومن يزوّدنا بمعلومات حقيقية، وكان لذلك أثر بالغ". ووصفه لويد بلانكفاين، الرئيس التنفيذي السابق لبنك غولدمان ساكس (Goldman Sachs)، بأنه "كان رابط الجأش في أشد اللحظات فوضى".

ناقد مزمن لبنك يقوده اليوم
غادر وارش الاحتياطي الفيدرالي في 31 آذار/مارس 2011، بعد أشهر من تصويت المجلس على شراء مزيد من السندات ضمن برنامج التيسير الكمّي، وهو قرار لم يؤيّده. ومنذ مغادرته، أمضى سنوات في انتقاد المؤسسة التي أصبح اليوم على رأسها.
تركّزت انتقاداته على محورين رئيسيين: تضخم الميزانية العمومية للفيدرالي، التي نمت من نحو 900 مليار دولار قبل أزمة 2008 إلى ما يقارب 6.7 تريليون دولار حالياً، وما يصفه بالأخطاء التي ارتكبها البنك المركزي في سياسته النقدية بين عامي 2021 و2022، حين سمح للتضخم بالتسارع.
وفي خطاب ألقاه بصفته عضواً في مجموعة الثلاثين أمام صندوق النقد الدولي في واشنطن في 25 نيسان/أبريل 2025، وسط اضطرابات الأسواق الناجمة عن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، قال وارش إن "التحولات في دور البنك المركزي الأميركي باتت شاملة إلى درجة أنها أصبحت شبه غير مرئيّة، وإن الفيدرالي اضطلع بدور أوسع داخل الحكومة في مختلف مسائل السياسة الاقتصادية".
وخلال جلسة تثبيته أمام مجلس الشيوخ في نيسان/أبريل 2026، تعهّد وارش بالدفاع عن استقلالية الفيدرالي، رادّاً على السيناتورة الديموقراطية إليزابيث وارين، التي وصفته بأنه "دمية ترامب"، بالقول: "قطعاً لا".
ويعزّز ثقله الأكاديمي والمؤسسي الدولي أنه أصدر عام 2014 تقريراً مستقلاً لبنك إنجلترا (Bank of England)، اقترح فيه إصلاحات في آليات عمل لجنة السياسة النقدية البريطانية؛ إذ نفّذ البنك توصياته التشغيلية فوراً، فيما سنّ البرلمان البريطاني قانون بنك إنجلترا والخدمات المالية عام 2016 لترسيخها تشريعياً. وهو يشغل أيضاً، في إطار نشاطه الأكاديمي، منصب زميل متميز زائر في الاقتصاد في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، ومحاضراً في كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بالجامعة نفسها.
"الصقر" الذي تغيّر؟
يثير وارش سؤالاً محورياً لدى المحللين: هل لا يزال "صقراً" كما عُرف طوال مسيرته، أم تطوّرت مواقفه بما ينسجم مع المشهد السياسي الراهن؟
يرى المستثمر الملياردير ستانلي دروكنميلر، الذي عمل معه وارش شريكاً في مكتب دوكين لإدارة الثروات العائلية منذ عام 2011، أن وارش "يؤمن حقاً بإمكانية تحقيق النموّ دون تضخم". ويستند هذا الرأي إلى قناعة وارش بأن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية، بما يسمح بخفض أسعار الفائدة من دون إشعال ضغوط تضخمية جديدة.
أما محمد العريان، المدير التنفيذي السابق لشركة بيمكو (Pimco)، فوصفه بأنه "معروف بما يكفي، وأنا مرتاح لغالبية آرائه".
في المقابل، تحذّر إيزابيل ماتيوس إي لاغو، كبيرة الاقتصاديين في بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas)، من أن وارش "لديه أجندة صريحة لإعادة هيكلة طريقة عمل الفيدرالي مؤسسياً، وهو بالتأكيد ليس مرشح استمرارية"، مضيفةً أن رغبته في تقليص الميزانية العمومية "يصعب التوفيق بينها وبين رغبة الرئيس في خفض تكاليف الاقتراض الحكومية".
ما ينتظره فور توليه المنصب
تشير تقارير إلى أن وارش يعتزم إجراء تغييرات هيكلية في طريقة عمل الفيدرالي، من بينها تقليص عدد اجتماعات السياسة النقدية من ثمانية إلى أربعة سنوياً، والحدّ من التوجيهات المستقبلية للأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة. ويقول محللو بنك جي بي مورغان (JPMorgan) إن هذه التغييرات تقع ضمن الصلاحيات التقديرية المتاحة لرئيس الفيدرالي.
وعلى صعيد السياسة النقدية، يترأس وارش اجتماعه الأول يومي 16 و17 حزيران/يونيو المقبل، وسط بيانات تضخمية ضاغطة. فقد أظهرت بيانات وزارة العمل الأميركية أن مؤشر أسعار المنتجين ارتفع 6% على أساس سنوي في نيسان/أبريل 2026، في أسرع وتيرة منذ كانون الأول/ديسمبر 2022. ويراوح النطاق الحالي للفائدة بين 3.5% و3.75%، فيما لا تترقب الأسواق الآجلة أي خفض للفائدة خلال العام الجاري.
في هذا المشهد، يواجه وارش اختباراً مزدوجاً: أن يثبت استقلاليته عن البيت الأبيض من جهة، وأن يقنع مجلساً منقسماً داخل الفيدرالي بقدرته على بناء توافق في ظروف استثنائية من جهة أخرى.
وعلى حدّ قول ألان شوارتز، الرئيس التنفيذي الحالي لشركة غوغنهايم بارتنرز (Guggenheim Partners)، والرئيس التنفيذي السابق لبنك بير ستيرنز (Bear Stearns): "لا يمكنك أن تكون ديكتاتوراً في السياسة النقدية. وارش يملك الثقل اللازم لبلوغ التوافق".
الحقائق الخمس الأساسية
1. أقرّ مجلس الشيوخ تعيين وارش رئيساً للفيدرالي بتصويت 54 مقابل 45، وكان الديموقراطي الوحيد المؤيد له هو السناتور جون فيتيرمان من بنسلفانيا.
2. وُلد وارش عام 1970، وأصبح، حين أدى اليمين في 24 شباط/فبراير 2006، أصغر محافظ في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي بعمر 35 عاماً.
3. أصدر عام 2014 تقريراً مستقلاً لبنك إنجلترا بشأن إصلاح لجنة السياسة النقدية؛ فنفّذ البنك توصياته فوراً، وسنّ البرلمان البريطاني قانون بنك إنجلترا والخدمات المالية عام 2016 لترسيخها تشريعياً.
4. ارتفع مؤشر أسعار المنتجين 6% على أساس سنوي في نيسان/أبريل 2026، وهي أسرع وتيرة منذ كانون الأول/ديسمبر 2022.
5. تبلغ الميزانية العمومية للفيدرالي نحو 6.7 تريليون دولار، ويُعدّ تقليصها أحد أبرز أهداف وارش المعلنة.
نبض