هكذا تحوّلت الشراكة الإماراتية – الهندية إلى محور نفطي استراتيجي
تكمن أهمية اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والهند في أنها جاءت في توقيت كانت فيه الإمارات تُعيد تعريف اقتصادها من دولة نفطية ومركز مالي إقليمي إلى منصة تجارة عالمية.
تنتقل العلاقة اليوم بين الإمارات والهند من مستوى "تبادل تجاري كبير" إلى مستوى "بنية استراتيجية مشتركة" في التجارة والنفط والغاز والاحتياطيات الاستراتيجية. وفي صلب هذا الانتقال، تقف اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) بين البلدين. فالإمارات خرجت من "أوبك" و"أوبك+" في 1 أيار/مايو 2026، ما يمنح أبوظبي هامشاً أكبر في سياسة الإنتاج والتسعير والشراكات الطويلة الأمد.
وتقول وزارة الاقتصاد الإماراتية إن هذه الاتفاقية مع الهند تمنح الشركات الإماراتية وصولاً أوسع إلى السوق الهندية، من خلال خفض الرسوم الجمركية على أكثر من 80% من المنتجات أو إزالتها، وتفتح قطاعات خدماتية واسعة، وتخفف العوائق التقنية أمام المصدرين، كما تُنشئ لجنة مشتركة لمراجعة الاتفاقية وتوسيع النفاذ إلى الأسواق. وهذا يعني عملياً أن الاتفاقية لا تعمل على زيادة الصادرات وحدها، بل على تحويل الإمارات إلى بوابة للهند نحو الخليج وأفريقيا وأوروبا، وتحويل الهند إلى سوق نمو هائلة أمام رأس المال والسلع والخدمات الإماراتية.
وتكمن أهمية الاتفاقية في أنها جاءت في توقيت كانت فيه الإمارات تُعيد تعريف اقتصادها من دولة نفطية ومركز مالي إقليمي إلى منصة تجارة عالمية. ففي 2024، سجّلت الإمارات تجارة غير نفطية قياسية بلغت 3 تريليونات درهم، أي نحو 817 مليار دولار، بزيادة 14.6%، وكان هذا النوع من الاتفاقيات جزءاً أساسياً من استراتيجية تنويع الاقتصاد وتعزيز موقع الإمارات بوصفها مركزاً لوجستياً وتجارياً.
2024 – 2026: الأرقام تكشف حجم القفزة
بحسب بيانات حكومية هندية، ارتفعت التجارة السلعية الثنائية بين الهند والإمارات من 43,3 مليار دولار في السنة المالية 2020-2021 إلى 83,7 مليار دولار في 2023-2024، أي تضاعفت تقريباً. كما بلغ حجم التجارة حتى كانون الثاني/يناير 2025 نحو 80.5 مليار دولار، فيما وصلت التجارة غير النفطية في 2023-2024 إلى 57.8 مليار دولار، أي أكثر من نصف إجمالي التجارة الثنائية.
في 2025-2026، بلغ حجم التجارة الثنائية 101,25 مليار دولار، مقارنة بـ100,03 مليار دولار في 2024-2025، وفق أرقام أوردها وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال. كما بلغت صادرات الهند إلى الإمارات 37,36 مليار دولار، فيما بلغت وارداتها من الإمارات 63,89 مليار دولار، ما يعكس استمرار الوزن الكبير للطاقة والمعادن والسلع الوسيطة في العلاقة التجارية.
أما في النصف الأول من 2025، فوصلت التجارة غير النفطية بين البلدين إلى 37,6 مليار دولار، بزيادة 33.9% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، وفق وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية ثاني الزيودي، في تصريح نقلته "وكالة أنباء الإمارات". فالعلاقة بين البلدين لم تعد رهينة النفط وحده، إنما تتحرك في قطاعات المجوهرات والإلكترونيات والغذاء والأدوية والبنية التحتية والخدمات.

لماذا الهند مهمة للإمارات؟
الهند من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، وسوق استهلاكية وصناعية ضخمة. تملك طبقة وسطى آخذة في التوسع، ونموّاً مستمراً في الطلب على النفط والغاز والبتروكيماويات والغذاء والبنية التحتية. لذلك، بالنسبة إلى الإمارات، الهند هي عميل طاقة، وشريك تصنيع، وسوق استثمار، وممر تجاري إلى آسيا. وتشير بيانات India Brand Equity Foundation إلى أن الإمارات هي من كبار المستثمرين في الهند، مع تدفق استثماري مباشر بلغ 25,19 مليار دولار بين نيسان/أبريل 2000 وأيلول/سبتمبر 2025، والهند ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات. كذلك، في الإمارات نحو 3,5 ملايين هندي، ما يجعل الرابط البشري والمالي والتحويلي جزءاً أساسياً من العلاقة الاقتصادية.
الشق النفطي هو الأكثر استراتيجية في العلاقة. فالإمارات، من خلال "أدنوك"، شريك أساسي داخل منظومة أمن الطاقة الهندية. ففي 2017، وقّعت أدنوك اتفاقاً مع شركة الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية الهندية (ISPRL) لتخزين 5,86 ملايين برميل من خام أدنوك في منشأة مانغالور تحت الأرض في ولاية كارناتاكا، لمنح الهند مخزوناً طارئاً يعزز أمنها الطاقوي، ومنح "أدنوك" موطئ قدم تخزينياً وتسويقياً داخل سوق التكرير الهندية. وفي 2024، ذكرت S&P Global أن "أدنوك" هي الشركة الأجنبية الوحيدة التي تخزن نفطها في كهوف الاحتياطي الاستراتيجي الهندي. وهذا يجعل الإمارات الشريك الأجنبي الوحيد داخل بنية الاحتياطي الهندي.
في مايو 2026، توسّعت الفكرة أكثر: بعد زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى الإمارات، أعلنت الهند عن رفع تخزين خام أدنوك في الاحتياطيات الهندية إلى 30 مليون برميل، إضافة إلى احتمال احتساب تخزين خام في الفجيرة ضمن الاحتياطي الاستراتيجي الهندي. وهذه مسألة كبرى، فالهند لا تريد شراء النفط الإماراتي فحسب، بل تريد "تأمينه مسبقاً" داخل وخارج أراضيها. أما الإمارات فتريد تحويل النفط من سلعة تُباع في السوق الفورية إلى علاقة طويلة الأمد داخل أمن الطاقة الهندي. وهكذا، صار نفط الإمارات جزءاً من التخطيط السيادي الهندي.
في كانون الثاني/يناير 2026، وقّعت "أدنوك غاز" اتفاقاً بقيمة 3 مليارات دولار لمدة 10 سنوات مع شركة Hindustan Petroleum الهندية لتوريد الغاز الطبيعي المسال. وقالت "أدنوك غاز" حينها إن الهند أصبحت أكبر عميل شراءً للغاز الطبيعي المسال الإماراتي، وإن 20% من الغاز الطبيعي المسال الذي تشغله "أدنوك غاز" سيذهب إلى الهند بحلول 2029. كما تجاوزت قيمة عقود الغاز المسال بين "أدنوك غاز" والشركات الهندية 20 مليار دولار خلال 24 شهراً.
اليوم، شملت الاتفاقات الجديدة تعاوناً بين "أدنوك" وIndian Oil بشأن إمدادات غاز البترول المسال، مع بحث فرص البيع والشراء طويل الأمد. هذا مهم للهند لأن هذه سلعة حساسة اجتماعياً وسياسياً، مرتبطة بالاستهلاك المنزلي والطبخ والدعم الحكومي، لا بالصناعة وحدها.
هل تبدو هذه الاتفاقات أهم بعد مغادرة الإمارات "أوبك"؟
مغادرة الإمارات "أوبك" تغيّر معنى الشراكة النفطية مع الهند. فقبل المغادرة، كانت السياسة الإنتاجية الإماراتية محكومة جزئياً بسقوف وتفاهمات "أوبك" و"أوبك+". بعد الخروج، صار لأبوظبي مجال أوسع لتحديد مستويات الإنتاج، وتوقيع عقود طويلة، وبناء حصص سوقية، خصوصاً مع شريك مثل الهند.
زنقلت "رويترز" عن وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي قوله إن القرار جاء بعد مراجعة السياسات الحالية والمستقبلية المتعلقة بمستوى الإنتاج، وأن العالم سيحتاج إلى مزيد من الطاقة. وهنا تتضح العلاقة بين المسارين: مغادرة "أوبك" تمنح الإمارات حرية أكبر في تحويل العلاقة مع الهند إلى محور طاقي طويل الأمد. بمعنى آخر: "الاتفاقية مع الهند حفرت القناة، ومغادرة "أوبك" وسّع القدرة على ضخ النفط والغاز عبر هذه القناة بشروط إماراتية أكثر استقلالاً".

ما الذي تريده الهند تحديداً؟
الهند تريد ثلاثة أشياء: أمن الإمدادات، استقرار الأسعار، وتنويع الموردين. ومع أزمات الشرق الأوسط ومخاطر مضيق هرمز، تصبح الإمارات شريكاً مثالياً لأنها قريبة جغرافياً، تملك طاقة إنتاجية كبيرة، وتملك بنية تصدير متقدمة، ولديها ميناء الفجيرة خارج المضيق نسبياً كعنصر مهم في أمن الشحن.
كما أعلنت الحكومة الهندية في آذار/مارس 2026 أن استهلاك الهند اليومي يبلغ نحو 5,5 ملايين برميل يومياً، وأنها باتت تستورد النفط من نحو 40 دولة، مع ارتفاع حصة الواردات القادمة من مسارات خارج مضيق هرمز إلى نحو 70% مقارنة بـ55% سابقاً. هذا يفسّر لماذا تريد نيودلهي احتياطيات أكبر وتخزيناً أكثر مرونة، ولماذا تصبح الإمارات شريكاً ثميناً في لحظة اضطراب الملاحة والطاقة.
التجارة غير النفطية هي الهدف المقبل
رغم أهمية الطاقة، يحاول الطرفان منع العلاقة من البقاء "نفط مقابل سوق". في أيلول/سبتمبر 2025، أكد البلدان هدف رفع التجارة غير النفطية وغير المرتبطة بالمعادن الثمينة إلى 100 مليار دولار بحلول 2030. وشملت النقاشات قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية ومرونة سلاسل الإمداد والرعاية الصحية والأدوية والغذاء والتكنولوجيا الزراعية.
هذا الهدف مهم لأنه يتجاوز النفط والذهب والمجوهرات، أي يتجه نحو تجارة أكثر "إنتاجاً": أدوية هندية إلى الخليج، غذاء وسلاسل تبريد، منصات لوجستية، صناعات هندسية، إلكترونيات، استثمارات إماراتية في البنية التحتية، وممرات تصدير هندية عبر الإمارات.
ما المتوقع في السنوات المقبلة؟
الأرجح أن العلاقة الإماراتية – الهندية ستتجه في السنوات المقبلة نحو خمسة مسارات واضحة:
1. ارتفاع التجارة الثنائية باتجاه 200 مليار دولار على المدى المتوسط إذا استمر الزخم الحالي، خصوصاً بعد تجاوز حاجز 100 مليار دولار في 2024-2026.
2. توسع التخزين الاستراتيجي، مع احتمال انتقال "أدنوك" من 5,86 ملايين برميل في مانغالور إلى ما يصل إلى 30 مليون برميل ضمن منظومة الاحتياطي الهندي، إذا اكتملت الترتيبات الفنية والتجارية.
3. زيادة عقود الغاز المسال وغاز البترول المسال لأن الهند تحتاج إلى طاقة أنظف نسبياً وإمدادات مستقرة، والإمارات تريد تثبيت حصة طويلة الأمد في سوق آسيوية ضخمة.
4. توسيع التجارة غير النفطية نحو الأدوية والغذاء والإلكترونيات والخدمات والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، بما يخدم هدف 100 مليار دولار للتجارة غير النفطية وغير المرتبطة بالمعادن الثمينة بحلول 2030.
5. تحوّل الإمارات إلى شريك أمني-طاقوي للهند لا مجرّد مورّد. فالهند تحتاج إلى مخزون ومرونة في زمن اضطراب هرمز، والإمارات تحتاج إلى زبون عملاق يشتري كميات طويلة الأمد خارج منطق الحصص النفطية التقليدية.
نبض