غزة... قطاع تحت الركام ينتظر من يرفع عنه آثار الحرب
تجاوز حجم الركام في غزة 68 مليون طن متري، ما يتطلب تكاليف ضخمة لإزالته تُقدَّر بـ1.7 مليار دولار.
في مدينة غزة وقطاعها اليوم، لم تعد الحرب تُرَى فقط في صور الدمار أو أعداد القتلى. الحرب باتت شيئاً آخر أيضاً: جبال من الإسمنت والحديد والغبار تنتشر حيث كانت هناك شوارع وبيوت ومدارس ومقاهٍ وأسواق. مدن كاملة تكاد تختفي تحت الأنقاض.
بحسب أحدث تقييم مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، تجاوز حجم الركام في القطاع 68 مليون طن متري. رقم يصعب تخيّله عملياً. فلو نُقِل هذا الركام بالشاحنات، لاحتاج الأمر إلى مئات آلاف الرحلات. أما تكلفة إزالة الأنقاض وإدارتها وحدها فتقدَّر بأكثر من 1.7 مليار دولار.
لكن المشكلة أن ركام غزة ليس مجرد حجارة متناثرة يمكن جمعها ونقلها. تحت هذا الركام توجد ذخائر غير منفجرة، وأسلاك، ونفايات طبية، ومياه صرف صحي، وربما مواد خطرة مثل الأسبستوس، إضافة إلى جثامين لا تزال مدفونة تحت الأبنية المنهارة. لهذا لا تبدو عملية إزالة الأنقاض مشروع تنظيف عادياً، بل واحدة من أعقد العمليات الهندسية والإنسانية والسياسية في العالم حالياً.
الحرب التي بدأت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعد هجوم "حماس" على جنوب إسرائيل الذي أدى وفق الأرقام الإسرائيلية إلى مقتل نحو ألف و200 شخص وأسر 251 رهينة، تحولت بسرعة إلى حرب تدمير واسعة للقطاع. ووفق بيانات أممية حديثة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 72 ألفاً، فيما تخطى عدد الجرحى 172 ألفاً.

لكن الصدمة الحقيقية ربما تكمن في شكل المدن نفسها. التقديرات تشير إلى تدمير أو تضرر نحو 371 ألف وحدة سكنية. عملياً، معظم سكان غزة فقدوا منازلهم كلياً أو جزئياً. هناك أحياء لم تعد تُعرَف من صورها القديمة، وطرقات اختفت، وعائلات لا تزال تعيش قرب أنقاض بيوتها أو فوقها لأنها ببساطة لا تملك أمكنة أخرى تلجأ إليها.
في بعض المناطق، لا تستطيع الجرافات الدخول قبل خبراء المتفجرات. تقدّر دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أن ما بين خمسة و10 في المئة من الذخائر قد لا ينفجر عند سقوطه. وهذا يعني أن الركام نفسه قد يتحول إلى فخاخ قاتلة.
المسألة ليست أمنية فقط، بل صحية وبيئية أيضاً. يطلق تحريك الركام غباراً وملوثات قد تبقى آثارها سنوات طويلة. وتخشى منظمات دولية من تفاقم معدلات الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء والمياه والتربة، خصوصاً مع اختلاط أجزاء من الأنقاض بمياه الصرف الصحي والنفايات الطبية.
وفوق ذلك كله، هناك معضلة المكان. قطاع غزة، أصلاً، منطقة من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالسكان. أين يمكن وضع عشرات ملايين الأطنان من الركام؟ وأين ستُدفَن؟ لهذا تحاول منظمات دولية الدفع نحو إعادة تدوير جزء من الأنقاض واستخدامه في تعبيد الطرق أو قواعد البنية التحتية، لأن إدخال كميات ضخمة من الإسمنت والحديد سيظل مرتبطاً بالمعابر والقيود الأمنية.
منذ عام 2024 طُرِحت عدة مشاريع وخطط لرفع ركام غزة وإعادة إعمارها، أبرزها الخطة المصرية المدعومة عربياً التي تقوم على إزالة الأنقاض تدريجياً، وإنشاء مساكن مؤقتة ومناطق إيواء، ثم إعادة بناء البنية التحتية والأحياء السكنية على مراحل تمتد لسنوات. كذلك تعمل الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي على خطط لفرز الركام وإعادة تدوير جزء منه لاستخدامه في تعبيد الطرق وقواعد الأبنية الجديدة.
لا شك في أن ما يبدو ورشة هندسية يخفي وراءه معركة سياسية ثقيلة. من سيموّل إعادة الإعمار؟ من سيدير غزة؟ من سيشرف على دخول مواد البناء؟ وهل ستربط إسرائيل والدول الغربية عملية الإعمار بشروط تتعلق بمستقبل "حماس" وسلاحها وإدارة القطاع؟
حتى مسألة الركام نفسها تحمل أبعاداً سياسية. حين تختفي أحياء كاملة تحت الأنقاض، تضيع أيضاً حدود الأراضي والوثائق العقارية والسجلات البلدية. وفي مرحلة لاحقة، قد تتحول إعادة الإعمار إلى نزاع ضخم حول الملكية والعودة والتعويض وإعادة رسم معالم غزة والمدن الأخرى.
التكلفة المتوقعة للتعافي وإعادة الإعمار باتت هائلة. يقدّرها التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي بنحو 71.4 مليار دولار خلال 10 سنوات، بينها أكثر من 26 مليار دولار مطلوبة بصورة عاجلة في المرحلة الأولى فقط.
لكن حتى لو توفرت الأموال، تبقى هناك مشكلة أكبر: غياب الاستقرار السياسي. كثير من الجهات المانحة لا تبدو مستعدة لضخ مليارات الدولارات من دون تصور واضح لمن سيحكم القطاع وكيف ستُدَار مرحلة ما بعد الحرب.
في الخلفية، هناك أيضاً سؤال آخر أكثر حساسية: هل سيُعَاد القطاع كما كان، أم ستُعَاد صياغته بالكامل؟ لا تغيّر الحروب الكبرى الخرائط العسكرية فقط، بل تغيّر شكل المدن أيضاً.
لهذا يبدو ركام غزة اليوم أكثر من مجرد بقايا حرب. إنه المرحلة التالية منها. من يملك قرار إزالة الركام، يملك عملياً قرار العودة، وإعادة البناء، وحتى شكل الحياة المقبلة في القطاع. وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية: مدن كاملة لا تنتظر فقط نهاية الحرب، بل تنتظر من يرفع عنها الركام أولاً.
نبض