السودان وغزة واليمن وسوريا: أربع أزمات عربية في قلب الجوع العالمي
يكشف تقرير "أزمات الغذاء العالمية 2026" أن الجوع الحاد أصبح ظاهرة مزمنة تتركز في بؤر النزاع والانهيار الاقتصادي.
يكشف تقرير "أزمات الغذاء العالمية 2026" أن الجوع الحاد لم يعد أزمة عابرة، بل تحوّل إلى ظاهرة مزمنة ومتركّزة في عدد محدود من بؤر النزاع والانهيار الاقتصادي. فقد واجه نحو 266 مليون شخص في 47 بلداً وإقليماً مستوياتٍ مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد في عام 2025، أي نحو 22.9% من السكان الذين شملهم التحليل.
الأخطر أن التقرير يؤكد إعلان المجاعة في سياقين متأثرين بالحرب: غزة والسودان، وهي سابقة لافتة في تاريخ تقرير برنامج الغذاء العالمي.
في العالم العربي، تبرز أربع بؤر كبرى: السودان وقطاع غزة واليمن وسوريا. هذه الحالات لا تتشابه في حجم الجوع فحسب، بل في أسبابه أيضاً: الحرب، تقييد وصول المساعدات، انهيار القدرة الشرائية، النزوح، وتراجع التمويل الإنساني.
أولاً: السودان أكبر الكوارث الغذائية العربية
يُعد السودان بين أكثر بؤر الجوع خطورة في العالم. فبحسب تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، انخفض عدد الأشخاص في المرحلة الثالثة فما فوق بعد موسم الحصاد إلى نحو 19.2 مليون شخص بين تشرين الأول/أكتوبر 2025 وكانون الثاني/يناير 2026. لكن هذا التحسن يبقى هشاً ومحدوداً بسبب استمرار القتال وانعدام الأمن، خصوصاً في شمال دارفور وجبال النوبة الغربية.

وتشير تقديرات أخرى لفترة الذروة توردها ICPAC إلى أن السودان سجّل نحو 24.6 مليون شخص في مستويات أزمة أو أسوأ، أي ما يقارب 51% من السكان، بينما أوردت مصادر إنسانية تقديراً أعلى بلغ 25.6 مليون شخص خلال موسم الجوع.
الأخطر أن التقرير العالمي يضع السودان بين الدول التي شهدت مستويات كارثية من الجوع، مع استمرار خطر المجاعة في توقعات 2026. وتشير المفوضية الأوروبية/مركز البحوث المشترك إلى أن نحو 207 آلاف شخص في السودان يُتوقع أن يبقوا في المرحلة الخامسة، أي في مرحلة "الكارثة"، حتى خلال فترة ما بعد الحصاد في 2026، بحسب المركز المشترك للأبحاث في المفوضية الأوروبية.
ثانياً: غزة كلها تعاني انعداماً غذائياً حاداً
يمثّل قطاع غزة الحالة الأكثر كثافة من حيث نسبة المتضررين بأزمة الغذاء. سجّل التقرير نفسه أن كل سكان القطاع تقريباً، أي 100% من السكان، كانوا في مرحلة أزمة أو أسوأ في عام 2025، وهذه أعلى نسبة بين الأزمات الغذائية عالمياً. كما أكّد التقرير إعلان المجاعة في أجزاء من غزة خلال 2025، مع بقاء خطر المجاعة قائماً في 2026.
وبعد وقف النار المعلن في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أظهرت البيانات تحسناً نسبياً، لكن غزة لم تخرج من نطاق الأزمة. ففي خلال الفترة المتوقعة من 1 كانون الأول/ ديسمبر 2025 إلى 15 نيسان/أبريل 2026، بقي نحو 1.6 مليون شخص في غزة في مرحلة أزمة أو أسوأ، منهم 571 ألفاً في مرحلة الطوارئ، ونحو 1,900 شخص في مرحلة الكارثة.

لا تتعلق الأزمة في غزة بنقص الغذاء فحسب، بل بانهيار منظومة الحياة: تدمير الزراعة، صعوبة وصول المساعدات، ارتفاع الأسعار، تعطّل الخدمات الصحية، وسوء التغذية بين الأطفال والحوامل والمرضعات. لذلك، حتى حين تتراجع أرقام "المجاعة" رسمياً، تبقى المؤشرات الإنسانية شديدة الهشاشة وقابلة للانفجار مجدداً.
ثالثاً: نصف اليمن لا يأكل
لايزال اليمن يعاني واحدةً من أعمق أزمات الجوع المزمنة في العالم. قدّرت منظمة "فاو" أن أكثر من 17 مليون شخص كانوا في المرحلة الثالثة فما فوق في منتصف 2025، أي في حالة الأزمة أو أسوأ. وبين هؤلاء، كان أكثر من 5.2 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ. وفي شباط/فبراير 2026، وصل عدد من يواجهون أزمة غذائية حادة إلى 18.1 مليون يمني، أي 52% من السكان. كما برز خطر دخول نحو 41 ألف شخص في المرحلة الخامسة، أي مرحلة الكارثة/المجاعة.

وتعود أزمة اليمن إلى مزيجٍ قاتل من الحرب الطويلة والانهيار الاقتصادي وارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتراجع قيمة العملة والفيضانات وتأخر المواسم الزراعية. والأخطر أن خفض المساعدات الغذائية أزال شبكة أمان كانت تمنع ملايين الأسر من السقوط إلى مستويات أشد من الجوع.
رابعاً: الجوع يتمدد في سوريا
تقف سوريا في موقعٍ مغاير نسبياً بين الدول الأربع: سجّل تقرير 2026 تراجعاً في نسبة المصابين بانعدام الأمن الغذائي الحاد من 39٪ في 2024 إلى 29٪ في 2025. وعلى رغم أن هذا التحوّل يبدو إيجابياً في ظاهره، يُسارع التقرير إلى التحذير من ألّا يُخدَع أحد بهذه الأرقام النسبية.
ففي سوريا، لا تظهر الأزمة دائماً بمشهد المجاعة المباشرة، لكنها واسعة ومزمنة. تشير بيانات "فاو" إلى أن نحو 14.6 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9.1 ملايين شخص في حالة انعدام غذائي حاد، و1.4 مليون في حالة شديدة من الجوع. وتؤكد خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية لعام 2026 أن ملايين السوريين ما زالوا غير قادرين على تأمين غذائهم، مع تقدير 13.3 مليون شخص غير آمنين غذائياً، بينهم 7.2 ملايين يعانون انعداماً غذائياً حاداً، و0.7 مليون في حالة شديدة. يعود اختلاف الأرقام إلى اختلاف المنهجيات والفترات الزمنية المستخدمة، لكنه لا يغيّر جوهر الصورة: سوريا لا تزال واحدة من أكبر أزمات الغذاء في المنطقة، بحسب Humanitarian Action.

وتتفاقم الأزمة بفعل الجفاف الشديد وتراجع الإنتاج الزراعي. فقد واجهت سوريا أسوأ موجة جفاف منذ عقود، مع انخفاض كبير في إنتاج القمح واتساع فجوة الاستيراد، ما يضغط مباشرة على الخبز، وهو السلعة الأكثر حساسية للأسر السورية، وفقاً لوكالة "رويترز".
الخلاصة
الجوع العربي ليس نتيجة نقص عالمي في الطعام بقدر ما هو نتيجة الحرب وانهيار الدولة والاقتصاد وتقييد الإغاثة. السودان وغزة يمثلان الوجه الأشد كارثية، حيث وصل الجوع إلى حدود المجاعة. اليمن يعيش أزمة جماعية تطاول أكثر من نصف السكان. أما سوريا، فعلى رغم أنها أقل حضوراً في عناوين "المجاعة"، فما زالت ملايين الأسر فيها عالقةً بين الفقر والجفاف وانهيار الزراعة وارتفاع أسعار الغذاء.
بمعنى آخر، الغذاء في هذه الأزمات لم يعد مسألة إنتاج فحسب، بل أصبح مسألة وصولٍ وأمن وتمويل وسياسة. وكلما طال النزاع وتراجعت المساعدات، تحوّلت الأزمة الغذائية من حالة طوارئ إلى بنية دائمة من الجوع.
نبض