العالم يمر من هنا… فهل تُفرض رسوم مرور على مضيق ملقا أسوةً بهرمز؟
تبلغ قيمة التجارة العابرة عبر مضيق ملقا نحو 3.5 تريليونات دولار سنوياً.
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في عام 2026، عاد اسم مضيق ملقا إلى واجهة الاقتصاد العالمي، ليس كممر بحري مهم، بل كنقطة قد تعيد رسم ميزان القوى العالمي. فـ "من يملك مضيق ملقا؟" أصبح فجأة سؤالاً تُقدَّر إجابته بتريليونات الدولارات.
ما هو مضيق ملقا؟
يقع مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، ويُعد الشريان البحري الأهم في العالم، إذ يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ. ورغم أنه ممر مائي دولي، فإن الدول المطلة عليه تملك سيادة على مياهها الإقليمية، بينما يبقى المرور فيه خاضعاً لقوانين الملاحة الدولية وحرية العبور البحري. بمعنى آخر، لا دولة "تملك" المضيق بالكامل، لكن الدول الثلاث تتحكم عملياً بأمنه وإدارته.
ما أهمية هذا المضيق؟
تكمن خطورة المضيق في حجمه الاقتصادي الهائل: يمر عبره نحو 22% من التجارة العالمية، وما يقارب 29% من شحنات النفط المنقولة بحراً، مع عبور أكثر من 100 ألف سفينة سنوياً. وتشير تقارير أخرى إلى أن نحو ثلث التجارة العالمية من حيث القيمة يعتمد على هذا المسار البحري الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط 2.8 كيلومتر. ويقدر موقع موقع "سي آسيا" قيمة التجارة عبر مضيق ملقا بنحو 3,5 تريليونات دولار سنوياً.

لماذا أصبح هذا السؤال بتريليونات الدولارات؟
السبب: مضيق هرمز. إيران أثبتت أن الممرات البحرية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط اقتصادي وسياسي، بعدما أدت التوترات في مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً. فهل تتجه الدول التي تسيطر على نقاط الاختناق البحرية مستقبلاً إلى فرض رسوم عبور أو استخدام هذه الممرات كورقة نفوذ اقتصادي؟ فقد أثارت تصريحات وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا في نيسان/أبريل 2026 عن إمكان فرض رسوم عبور على السفن المارة في المضيق موجة قلقٍ عالمية، قبل أن تتراجع جاكرتا عن الفكرة تحت ضغط ديبلوماسي وتجاري. وسارعت سنغافورة إلى التأكيد أنها "لن تفرض رسوماً على المرور في منطقتها"، في خطوة عكست حساسية كبيرة حيال أي تغيير محتمل في قواعد الملاحة داخل أحد أهم الممرات التجارية في العالم. هذا التطور دفع العالم للنظر إلى مضيق ملقا باعتباره "الاختناق البحري الأكبر التالي".
من المستفيد الأكبر منه؟
الصين. فنحوى 80% من وارداتها النفطية تمر عبره، إلى جانب جزء ضخم من صادراتها الصناعية نحو أوروبا والشرق الأوسط. ولهذا تُعرف هذه المشكلة في الأدبيات الاستراتيجية باسم "معضلة ملقا"، أي الخوف الصيني من إمكان تعطيل هذا الشريان في أي مواجهة عسكرية أو سياسية.
كذلك، تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية والهند على هذا المضيق لتأمين الطاقة والتجارة، وأي تعطيل طويل الأمد فيه قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والسلع عالمياً، وإرباك سلاسل الإمداد، ورفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل هائل. فشركات الشحن العالمية بدأت بالفعل دفع أقساط تأمين أعلى للسفن العابرة، وسط مخاوف من القرصنة أو التوترات العسكرية أو فرض رسوم مستقبلية على المرور. وتسارعت مشاريع بديلة، أبرزها مشروع "الجسر البري" في تايلاند، الذي يهدف إلى ربط بحر أندامان بخليج تايلاند لتجاوز المضيق مستقبلاً.
ما الخلاصة؟
في العمق، لم يعد مضيق ملقا مجرد ممرٍ بحري، بل تحوّل إلى أداة نفوذ جيوسياسي تشبه "صمام الاقتصاد العالمي". فمن يضمن أمنه، يملك تأثيراً مباشراً على التجارة والطاقة والأسعار حول العالم. لذلك، عندما يُطرح سؤال "من يملك مضيق ملقا؟"، فإن الأسواق لا تسمع نقاشاً جغرافياً، بل تسمع احتمال التحكم بجزء ضخم من الاقتصاد العالمي. وحتى الآن، لا أحد يملك المضيق بالكامل، لكن كثيرين يسعون إلى ذلك.
نبض