مع ارتفاع أسعار النفط، من يربح ومن يدفع؟
شفيق طاهر
عندما ترتفع أسعار النفط، لا يقتصر الأثر على الدول المنتجة أو شركات الطاقة فقط، بل يمتد سريعا إلى الاقتصاد العالمي كله. فالنفط ليس مجرد وقود للسيارات والطائرات، بل يدخل في النقل والصناعة والبلاستيك والأسمدة وسلاسل التوريد، ولذلك فإن أي اضطراب في إمداداته ينعكس مباشرة على الأسعار في مختلف أنحاء العالم.
هذا ما حدث مع تصاعد الحرب في إيران وما رافقها من اضطرابات للملاحة في مضيق هرمز، إذ قفزت الأسعار بشكل حاد خلال فترة قصيرة، وانتقلت آثار هذه القفزة إلى المستهلكين والشركات والحكومات معا.
قاعدة السوق
اقتصاديا، يفسر ذلك ببساطة عبر قاعدة العرض والطلب. فعندما ينخفض المعروض من سلعة حيوية مثل النفط، بينما يبقى الطلب عليها مرتفعا، تبدأ المنافسة على الكميات المتاحة، فيرتفع السعر. وفي بعض الحالات، يمكن للأسواق أن تتكيف تدريجيا مع الصدمة، لكن عندما يقع انقطاع مفاجئ في شريان حيوي للطاقة العالمية كمضيق هرمز، تكون الاستجابة قوية وسريعة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، إلى أين تذهب الأموال الإضافية التي تدفع عند ارتفاع الأسعار؟
الجواب المباشر هو أن الجزء الأكبر منها ينتهي لدى المنتجين وشركات النفط، لكن طريقة الاستفادة منها تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب طبيعة الملكية والقوانين الاقتصادية السائدة.
اين تذهب الأموال؟
في الشرق الأوسط، حيث تكاليف الإنتاج منخفضة نسبيا، تتحول الأسعار المرتفعة غالبا إلى أرباح كبيرة، حتى مع ارتفاع المخاطر الأمنية وتكاليف التأمين والنقل. ففي دول التي تسيطر فيها الدولة على الجزء الأكبر من القطاع النفطي، تذهب الفوائد الرئيسية إلى المالية العامة، ما يمنح الحكومات قدرة أكبر على تمويل الإنفاق العام والمشاريع والاستثمارات.
أما في الولايات المتحدة، وخصوصا في غرب تكساس، فإن ارتفاع الأسعار العالمية يمنح شركات النفط مكاسب غير متوقعة، لأن عائداتها ترتفع بسرعة أكبر من تكاليفها. وعادة ما يذهب هذا الفائض إلى المساهمين عبر توزيعات الأرباح، أو إلى إعادة شراء الأسهم، وأحيانا كثيرة إلى زيادة الاستثمار في الحفر والبنية التحتية.
اما في بحر الشمال، يتكرر المشهد بصيغ مختلفة، ففي بريطانيا يستفيد المساهمون والحكومة معا بسبب الضرائب على الأرباح، بينما في النرويج تضخ الإيرادات في صندوق الثروة السيادي العملاق الذي يدعم الإنفاق العام ويحفظ الثروة للأجيال المقبلة. في المقابل، تبدو الحالة الروسية مختلفة، إذ إن ارتفاع الأسعار لا يصب بالضرورة في مصلحة المواطنين، بل يعزز مواقع النخب المرتبطة بالسلطة ومجمّعها الصناعي والعسكري.
تداعيات الصدمة
لكن الوجه الآخر لهذه الأرباح هو العبء الذي يقع على المستهلكين. فمع ارتفاع النفط، ترتفع أسعار الوقود أولا، ثم تبدأ موجة أوسع تشمل النقل والشحن والتصنيع والطاقة المنزلية. فكل شركة تقريبا تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على النفط، ولذلك تنتقل الزيادة عبر الاقتصاد بأكمله. وقد لا يظهر الأثر فورا في كل القطاعات بالوتيرة نفسها، لكنه يتراكم تدريجيا في صورة تضخم أوسع، ما يعني أن الأسر تدفع أكثر مقابل السلع والخدمات الأساسية، من الغذاء إلى السفر وفواتير الكهرباء والتدفئة.
كما تمتد تداعيات صدمات النفط إلى الأسواق المالية. فالمستثمرون ينظرون إلى ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره عبئا على النمو، لأنه يقلص إنفاق الأسر ويرفع تكاليف الشركات. لذلك تتعرض الأسهم والسندات لضغوط، خاصة في الاقتصادات الأكثر حساسية للطاقة المستوردة. كذلك تخشى البنوك المركزية من أن يؤدي ارتفاع النفط إلى تغذية التضخم، ما يدفعها إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة أو حتى التفكير في تشديد السياسة النقدية. وهذا ينعكس على القروض والرهون العقارية والمدخرات، حيث تبقى كلفة الاقتراض مرتفعة لفترة أطول، فيما يستفيد المدخرون جزئيا من بقاء العوائد عند مستويات أعلى.

يعيد ارتفاع أسعار النفط توزيع الأموال على مستوى العالم، المنتجون والحكومات المالكة للثروة النفطية والشركات الكبرى يحققون مكاسب كبيرة، بينما يتحمل المستهلكون العبء الأكبر عبر ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويبقى العامل الحاسم هو مدة الأزمة، فإذا كان الاضطراب قصيرا، قد تتراجع الأسعار سريعا وتخف الآثار. أما إذا طال أمده، فقد يتحول إلى صدمة تضخمية واسعة تضعف النمو وتضغط على ميزانيات الأسر والدول. لهذا، فإن ارتفاع أسعار النفط ليس مجرد خبر في الأسواق، بل مسألة تمس الحياة اليومية مباشرة، وتذكرنا دائما بمدى اعتماده المستمر على الطاقة الأحفورية.
نبض