كيف تغيّرت خريطة الاستثمار للأفراد في الإمارات؟

اقتصاد وأعمال 01-05-2026 | 10:39

كيف تغيّرت خريطة الاستثمار للأفراد في الإمارات؟

خريطة استثمار الأفراد في الإمارات تغيرت من الودائع والعقار والذهب إلى محافظ أكثر تنوعاً تشمل الأسهم، الطروحات العامة، الصكوك الحكومية، الصناديق المتداولة، الادخار الوظيفي، العقار المجزأ، والأصول الرقمية المنظمة، مدفوعة بارتفاع الوعي المالي وتوسع المنصات الرقمية وتطور أسواق المال.
كيف تغيّرت خريطة الاستثمار للأفراد في الإمارات؟
يتابع هاتفه قرب شاشة تعرض مؤشرات الأسهم في سوق دبي المالي، دبي، الإمارات، يوم 7 أبريل 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تعد خريطة الاستثمار للأفراد في الإمارات محصورة بين الوديعة البنكية وشراء العقار والذهب، فخلال السنوات الأخيرة، انتقلت السوق من نموذج تقليدي يعتمد على الادّخار السلبي والأصول الملموسة إلى نموذج أوسع يجمع بين الأسهم المحلية، الطروحات العامة، الصكوك الحكومية للأفراد، الصناديق المتداولة، خطط الادّخار الوظيفي، العقار المجزأ، والأصول الرقمية المنظمة. 

وهذا التحوّل لا يعني أن المستثمر الفرد أصبح أكثر جرأة فقط، بل يعني أن البنية المالية نفسها أصبحت أكثر تنوعاً، حيث تفتح أبواباً كانت تاريخياً أقرب إلى المؤسسات وكبار المستثمرين.



أولاً: التحوّل من الوديعة إلى المحفظة المتنوّعة

يقول الدكتور زكريا صلاح، الخبير المصرفي، لـ"النهار" إنه لسنوات طويلة، كان المستثمر الفرد في الإمارات يتحرك داخل مثلث واضح: ودائع مصرفية، عقار، وذهب. هذا السلوك كان مفهوماً في اقتصاد عالي الدخل، منخفض الضرائب الشخصية، ومرتبط بسوق عقارية نشطة، ثم كان ارتفاع أسعار الفائدة بعد 2022، وزيادة الوعي المالي، وسهولة الوصول الرقمي إلى الأسواق، فدفع ذلك الأفراد إلى إعادة النظر في مفهوم "الادّخار الآمن".

 

أرقام المصرف المركزيّ تعكس حجم السيولة القابلة للتحوّل إلى استثمار، فقد ناهز رصيد الودائع المصرفية 3.5 تريليونات درهم نهاية شهر آذار (مارس) بنمو 17.5% على أساس سنوي. وفي شباط (فبراير) سجّلت الودائع المصرفية نمواً بنسبة 1.9% لتصل إلى 3.4 تريليونات درهم، مع زيادة ودائع المقيمين بنسبة 1.7% لتبلغ 3.098 تريليونات درهم، وفق بيانات مصرف الإمارات المركزي.

 

وتشير هذه البيانات إلى قاعدة سيولة محلّية ضخمة يمكن أن تنتقل تدريجياً من الحسابات والودائع إلى أدوات استثمارية أكثر تنوعاً.

ثانياً: الأسهم المحلية أصبحت أقرب إلى المستثمر الفرد

يرى صلاح أن التحول الأبرز في خريطة استثمار الأفراد في الإمارات جاء من أسواق المال، حيث إن سوق دبي المالي لم يعد فقط منصة للشركات والمؤسسات، بل أصبح أكثر اعتماداً على الأفراد وأصحاب الثروات. 

وفي 2025، مثّل المستثمرون الأفراد وأصحاب الملاءة العالية 29% من نشاط التداول في سوق دبي المالي، مع انضمام 97,394 مستثمراً جديداً، 84% منهم من الأجانب؛ وهذا الرقم مهمّ لأنه يكشف أن السوق لم تعد محلية بالمعنى الضيّق، بل أصبحت بوابة استثمارية للمقيمين والأجانب الباحثين عن تعرّض مباشر لاقتصاد دبي.
وشهدت أسواق المال الإماراتية خلال عام 2025 خمس إدراجات جديدة، بينها ثلاثة طروحات عامة أولية، في مؤشر على استمرار نشاط أسواق رأس المال رغم تباطؤ نسبي في وتيرة الاكتتابات الخليجية. 

وبدأ العام مع ألفا داتا في سوق أبوظبي للأوراق المالية، إذ فتحت الشركة الاكتتاب بين 20 و25 شباط (فبراير)، ثم أُدرجت في 11 آذار (مارس) كأول طرح عام أوليّ في الإمارات خلال 2025، بعد طرح 40% من رأسمالها، والذي جمع نحو 600 مليون درهم.  

وفي دبي، جاء صندوق مساكن دبي ريت كثاني طرح عام في الدولة، وكأول إدراج في سوق دبي المالي خلال العام. بدأ الاكتتاب في أيار (مايو)، وأُدرج في 28 أيار، بعد جمع 2.145 مليار درهم، وتغطية بلغت 26 مرة، ليصبح أكبر صندوق ريت مدرج في الخليج من حيث القيمة السوقية عند الطرح، ثم أعقبته أليك القابضة، ذراع المقاولات المرتبطة بمؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، بطرحٍ بدأ في 23 أيلول (سبتمبر)، وأغلق في 30 أيلول، قبل إدراج السهم في سوق دبي المالي في 15 تشرين الأول (أكتوبر) كأكبر طرح لشركة مقاولات في تاريخ الإمارات.

وإلى جانب الطروحات الأولية، شهدت سوق أبوظبي إدراجين مباشرين هما ساجاس للاستثمار في سوق النمو اعتباراً من 28 آب (أغسطس)، من دون جمع حصيلة طرح، وأوراسكوم كونستركشن التي بدأت التداول في أبوظبي في 11 أيلول (سبتمبر)، بعد إلغاء إدراجها في ناسداك دبي، ما رفع إجمالي الإدراجات الجديدة في الإمارات خلال العام إلى خمسة.

علم دولة الإمارات العربية المتحدة (وكالات)
علم دولة الإمارات العربية المتحدة (وكالات)

ثالثاً: الصكوك الحكومية دخلت محفظة الأفراد

يقول صلاح إن واحدة من أهم التحولات الهادئة هي فتح أدوات الدين السيادي أمام الأفراد، حيث أطلقت وزارة المالية الإماراتية مبادرة "الصكوك للأفراد"، التي تتيح للمواطنين والمقيمين الاستثمار مباشرة في صكوك خزانة متوافقة مع الشريعة، بدءاً من 4 آلاف درهم فقط. 

ويكمل بأن الفكرة هنا ليست مجرد منتج جديد، بل تغيير في طبيعة الوصول: أداة كانت أقرب إلى المؤسسات أصبحت متاحة رقمياً للأفراد.

هذا يمنح المستثمر الفرد خياراً وسطاً بين الوديعة البنكية والأسهم. فهو لا يبحث عن مضاربة يومية، بل عن أصل حكوميّ مدعوم بسيادة الدولة، ومتوافق مع الشريعة، وقابل للإدراج ضمن محفظة طويلة الأجل. 

وقالت وزارة المالية إن المبادرة تستهدف توسيع قاعدة المستثمرين في الأدوات الحكومية وتعزيز الشمول المالي وتطوير منحنى العائد بالدرهم.

رابعاً: العقار لم يعد يحتاج إلى رأس مال كبير

العقار لا يزال حجر الزاوية في سلوك المستثمرين الأفراد في الإمارات، خصوصاً في دبي وأبوظبي. لكن التغيّر الجديد لا يتعلّق فقط بشراء شقّة أو فيلا، بل بطريقة الدخول إلى السوق. دائرة الأراضي والأملاك في دبي تضع "الترميز العقاري" ضمن أهدافها لتمكين الملكية الجزئية، وخفض حواجز الدخول، وتوسيع فرص الاستثمار أمام شريحة أوسع من الأفراد والمؤسسات.

بمعنى آخر، الاستثمار العقاري يتحول من أصل كبير غير سائل إلى وحدات أصغر قابلة للتداول أو المشاركة، من دون أن يلغي المخاطر، وإن غيّر المعادلة؛ فالمستثمر الذي كان يحتاج إلى مئات الآلاف أو ملايين الدراهم لدخول السوق العقارية، يمكنه نظرياً أن يبني تعرضاً عقارياً تدريجياً عبر نماذج الملكية المجزأة، مع تنويع أفضل بين مناطق وأصول مختلفة.

خامساً: الادخار الوظيفي يتحول إلى استثمار طويل الأجل

خريطة الاستثمار للأفراد لا تتغير فقط عبر التطبيقات والأسواق، بل أيضاً عبر أنظمة العمل، حيث تتيح وزارة الموارد البشرية والتوطين نظاماً اختيارياً بديلاً لمكافأة نهاية الخدمة، تُستثمر فيه مستحقات الموظفين في صناديق استثمارية معتمدة من هيئة الأوراق المالية والسلع بهدف تحقيق عوائد على هذه المستحقات.

وفي مركز دبي المالي العالمي، تجاوزت أصول خطة الادخار الوظيفي (DEWS) مليار دولار، مع دفع 340 مليون دولار إضافية للمدخرين، وحماية مستقبل مالي لما يقرب من 75 ألف موظف. هذه الأرقام تشير إلى انتقال تدريجي من ثقافة "مكافأة نهاية الخدمة كمبلغ مؤجل" إلى ثقافة "رصيد تقاعدي مستثمر".

سادساً: الصناديق المتداولة والمنتجات الموضوعية تغيّر طريقة الاختيار

لم يعد المستثمر الفرد مضطراً إلى الاختيار بين سهم مصرفي وسهم عقاري فقط، حيث إن سوق أبوظبي للأوراق المالية أعلنت في 2025 عن إدراج أول صناديق متداولة موضوعية في المنطقة، أحدها يركّز على الحوسبة الكمية، وآخر يتتبع شركات مرتبطة بنمو الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدراج أول سند رقميّ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كذلك، شهدت السوق إدراج صناديق متداولة عابرة من بورصة نيويورك، وهي الأولى من نوعها في العالم العربي.

هذا التحول مهم لأنه ينقل المستثمر الفرد من عقلية "اختيار السهم الرابح" إلى عقلية "اختيار الموضوع الاستثماري": الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا، الدخل الثابت، العقار، أو الأسواق العالمية. 

وهي نقلة تقلّل الاعتماد على قرار فرديّ واحد، لكنها لا تلغي الحاجة إلى فهم الرسوم والسيولة والمخاطر.

سابعاً: الأصول الرقمية أصبحت أكثر تنظيماً ولكنها ليست بديلاً عن الانضباط

يرى الخبير المصرفي أن الإمارات، خصوصاً دبي وأبوظبي، تحاول بناء بيئة منظمة للأصول الافتراضية بدلاً من تركها في منطقة رمادية. 

ويشير إلى أن وجود أطر تنظيمية للأصول الرقمية والترميز العقاري والحفظ المؤسّسي جعل المستثمر الفرد أكثر تعرّضاً لفكرة الأصول الرقمية، سواء عبر العملات المشفّرة أو الأصول الحقيقية المرمزة، لكن نقطة التحول هنا ليست أن العملات المشفرة أصبحت "آمنة"، بل إن الوصول إليها أصبح أكثر خضوعاً للترخيص والرقابة والإفصاح، وهذا يفرض على المستثمرين التمييز بين أصل رقمي منظم، ومنتج عالي المخاطر، ووعد تسويقي غير مضمون.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها