الهيئة الناظمة للاتصالات تحت مجهر الشراء العام
تكشف المعطيات الواردة في المراسلات الصادرة عن هيئة الشراء العام بشأن طلب العروض لخدمات استشارية لصالح الهيئة الناظمة للاتصالات، عن تراجع واضح في الالتزام بالمرتكزات القانونية والتنظيمية، سواء لناحية تطبيق قانون الشراء العام أو احترام حدود الصلاحيات المحددة بموجب الأطر التشريعية الناظمة. هذا الامر يعكس قصوراً منهجياً في إعداد دفاتر الشروط وغياب الدقة وتضارب المعايير واعتماد صيغ مبهمة تضعف شفافية المنافسة وتفتح المجال أمام التقدير الاستنسابي.
فالمراسلة الصادرة عن هيئة الشراء العام حيال طلب عروض لخدمات استشارية لصالح الهيئة المنظمة للاتصالات، تتعلق بإعداد وثائق التلزيم والنموذج المالي واتفاقيات الإدارة والتشغيل (MOA) لشركتي الخليوي MIC1 وMIC2، تبرز كوثيقة تقييمية كاشفة للخلل البنيوي في أداء الهيئة المنظمة للاتصالات المتعلقة بالمشروع. إذ إنه على الرغم من التعيين الحديث لمجلس إدارة الهيئة، الذي يفترض أن يضم كفايات تقنية متقدمة، جاءت باكورة أعماله دون المستوى المهني المتوقع، ما يطرح تساؤلات جدية حول الفجوة بين الكفاية المفترضة والأداء الفعلي.
انحدار في المستوى
تظهر قراءة التقرير بوضوح انحداراً في المستوى المنهجي المعتمد في إعداد وثائق التلزيم، حيث فشلت الهيئة في الالتزام بأحكام قانون الشراء العام رقم 2021/244، كما عجزت عن ممارسة الصلاحيات المنوطة بها بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 5 تاريخ 2026/01/15، ما يعكس ترهلاً إدارياً يفتقر إلى الدقة الفنية والنزاهة الإجرائية المطلوبة. وقد تجاوزت الهيئة صلاحياتها القانونية بمحاولتها إعداد دفتر شروط لتلزيم إدارة شركتي الخليوي، رغم أن القانون رقم 2002/431 لا يمنحها هذا الاختصاص، حتى ولو تم تكليفها بذلك، بما يعكس إرباكاً مؤسسياً وتجاهلاً للنصوص القانونية الناظمة.
سلط تقرير هيئة الشراء العام الضوء على هذا القصور البنيوي، حيث بدا طلب المقترحات مشوباً بعيوب جوهرية تعكس غياب الدقة المنهجية والاستهتار بالمرتكزات القانونية، بدءاً من محاولة التخلي عن المسؤوليات الأساسية عبر تلزيم مهام أصيلة لشركات استشارية، في مخالفة لقرار مجلس الوزراء، وصولاً إلى هدر غير مبرر للموارد العامة. كما برزت تناقضات واضحة في توصيف المشروع، من خلال استخدام مسميات مختلفة له، بما يضرب مبدأ اليقين القانوني ويربك العارضين. وترافق ذلك مع اعتماد معايير تقييم مبهمة وغير قابلة للقياس، تستند إلى عبارات إنشائية عامة، ما يفتح الباب أمام الاستنسابية ويقوض نزاهة المنافسة.
لم يقتصر الخلل على الجوانب المنهجية، بل امتد إلى أخطاء تقنية ومالية، من بينها عدم اكتمال الأوزان النسبية لمعايير التقييم، إذ لم تستطع الهيئة إجراء عملية حسابية بسيطة لمعادلة النسب إلى 100%، إضافة إلى تناقضات في بنود تتعلق بفوائد التأخير، وإدراج مفاهيم مثل "سعر الوحدة والكمية" في عقد استشاري، وهو ما لا يتناسب مع طبيعته. كما سجل إقصاء غير مبرر للخبرات الوطنية عبر حصر المنافسة بالشركات الدولية، إلى جانب استخدام لغة أجنبية في أجزاء أساسية من دفتر الشروط، بما يتعارض مع مبدأ اعتماد اللغة العربية.

مخالفات لأحكام المادة 17 من قانون الشراء العام
يضاف إلى ذلك غموض في توصيف المشروع ومخالفات لأحكام المادة 17 من قانون الشراء العام المتعلقة بوصف موضوع الشراء، فضلا عن تضارب في المواعيد وعدم توحيدها على المنصة الإلكترونية، حيث كان من الأجدى ربطها بتاريخ نفاذ العقد. وفي كتاب لاحق بتاريخ 14 نيسان 2026، عادت هيئة الشراء العام لتؤكد استمرار هذه الثغرات، مشيرة إلى غياب معايير تقييم واضحة وقابلة للقياس، واعتبار ترك التقييم لتقدير اللجنة مساساً بمبدأ المنافسة. كذلك، رصدت تناقضاً في شروط تحالف الشركات، إذ يسمح بالتحالف من جهة، ويطلب من كل عضو استيفاء كامل الشروط منفرداً من جهة أخرى.
واعتبرت الهيئة أن اشتراط تسجيل الشركات قبل 6 أشهر هو تفسير خاطئ للدفاتر النموذجية، ما يؤدي إلى إقصاء غير مبرر، إضافة إلى استمرار الأخطاء التقنية والمالية والتناقضات في الصياغة.
نبض