تراجع مخزونات الفضة يرفع المخاطر… هل نشهد أزمة عالمية؟
تشهد أسواق المعادن العالمية تحولات متسارعة في هيكل الطلب وتوازنات العرض، ما أعاد الفضة إلى صدارة المشهد، باعتبارها أصلاً يجمع بين القيمة الاستثمارية والطلب الصناعي. وفي هذا السياق، أصبحت الفضة خلال السنوات الأخيرة أكثر حساسية لتقلّبات المشهدين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، إذ تؤدي التوترات الدولية واضطراب سلاسل الإمداد إلى زيادة هشاشة السوق، في وقت تتجه فيه الدول والمؤسسات إلى تعزيز مخزوناتها كإجراء تحوّطي، بما يفرض ضغوطاً إضافية على جانب المعروض، ويعمق اختلالات التوازن.
عجز ممتدّ وضغوط متصاعدة
تنعكس هذه الضغوط بوضوح في مؤشرات السوق، حيث تشير بيانات "The Silver Institute"، بالتعاون مع مؤسسة "Metals Focus"، إلى فجوة مستمرّة بين العرض والطلب، إذ يبلغ إجمالي الطلب نحو 1.11 مليار أونصة مقابل معروض يقدّر بنحو 1.06 مليار أونصة، بما يعكس عجزاً هيكلياً متواصلاً.
كما يُتوقع أن يتّجه سوق الفضة نحو تسجيل العام السادس على التوالي من العجز منذ 2021، مع استمرار السحب من المخزونات لتغطية الفجوة، بما يعزز الضغوط، ويكرّس اختلال التوازن، وذلك رغم توقعات تباطؤ النشاط الصناعي عالمياً، إذ يظلّ الطلب مدعوماً بزخم الاستخدامات التكنولوجية، ما يُبقي السوق تحت وطأة طلب قويّ ومستدام.
إمدادات محدودة
في الوقت ذاته، تتصاعد الضغوط من جانب الإمدادات، إذ يُعدّ إنتاج الفضة كمعدن ثانويّ أحد أبرز القيود التي تحدّ من توسّع المعروض، إلى جانب تأثر بعض المناجم بالتوترات الجيوسياسية واتجاه دول لتعزيز مخزوناتها، وفقاً لما أدلت به الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس لـ"النهار".
وتوضح بأن ارتباط الفضة بالصناعات التكنولوجية يجعل الطلب عليها مدفوعاً بالاقتصادات الصناعية الكبرى، ما يعزّز استمرار الفجوة بين العرض والطلب، حيث تتجه دول رئيسية مثل الصين إلى تقليص صادراتها والاحتفاظ بمخزوناتها تحسباً لارتفاع الأسعار أو نقص الإمدادات في ظل التوترات الجيوسياسية.
.jpg)
احتياطيات الفضة عالمياً
في ضوء هذه المعطيات، تكتسب خريطة الاحتياطيات العالمية أهمية متزايدة في فهم ديناميكيات السوق، إذ تُظهر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) أن إجمالي احتياطيات الفضة عالمياً يُقدر بنحو 641.4 ألف طن متري في عام 2025.
وتتصدر البيرو القائمة بفارق ملحوظ بحيازتها نحو 140 ألف طن متري، ما يعادل قرابة 22% من الإجمالي، تليها أستراليا بنحو 94 ألف طن متري، ثم روسيا والصين بنحو 92 ألف طن و70 ألف طن متري على التوالي، لتستحوذ هذه الدول مجتمعة على نحو 40% من الاحتياطي العالمي.
أسعار مرشحة للصعود
وانعكاساً لهذه التوزيعات غير المتوازنة في الاحتياطيات، إلى جانب القيود الهيكلية على جانب الإنتاج، تتزايد التوقعات باتجاه صعودي لأسعار الفضة، التي تتحرك حالياً بين مستويات 75 و82 دولاراً للأونصة، مدفوعة بقوة الطلب الصناعي واستمرار نقص المعروض.
وفي هذا السياق، يتوقع "The Silver Institute" اتساع عجز سوق الفضة إلى 46.3 مليون أونصة في 2026 مقابل 40.3 مليون في 2025 بزيادة 15%، بما يعمق العجز الهيكلي ويعزز الاعتماد على المخزونات.
ورغم الضغوط الجيوسياسية، تبقى التوقعات داعمة للصعود في ظلّ قوة الطلب واستمرار نقص الإمدادات، مع ترجيحات بوصول الأسعار إلى 95–105 دولارات للأونصة.
سيناريوات مستقبلية
انطلاقاً من هذه المعطيات، تبقى آفاق سوق الفضة مرهونة بثلاثة سيناريوهات رئيسية، وفقاً للخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، يتمثل الأول بتصاعد التوترات وتراجع المخزونات بما قد يدفع الأسعار إلى مستوى 106 دولارات مع ضغوط على النشاط الصناعي، فيما يقوم الثاني على تهدئة جيوسياسية وعودة تدريجية للإمدادات بما يعزّز الاستقرار النسبي للأسعار. أما السيناريو الثالث فيرتبط باستمرار الأوضاع الراهنة مع مسار صعودي تدريجي تقوده قوة الطلب الصناعي، ولا سيما في قطاعات الطاقة النظيفة.
بشكل عام، تواجه سوق الفضة مرحلة مفصليّة تتداخل فيها العوامل الصناعية والجيوسياسية، ما يزيد من تقلّباتها، مع استمرار العجز وتراجع المخزونات وارتفاع ضغوط الإمدادات، في وقت يبقى فيه المسار مرهوناً بقدرة الإنتاج على تلبية الطلب المتنامي، خاصة مع تزايد دور الفضة في الصناعات التكنولوجية والاقتصاد العالمي.
نبض