هل 224 مليون دولار قيمة عادلة لشراء نادي الهلال؟
الرقم الذي أعلنته المملكة القابضة، والبالغ 840 مليون ريال (224 مليون دولار)، مقابل 70% من نادي الهلال، أثار فوراً سؤالاً محورياً في الأوساط المالية: هل اشترى الأمير الوليد بن طلال هذه الحصّة بسعر منخفض، أم أن القيمة الحقيقية للهلال أعلى مما توحي به الأرقام المعلنة؟ الإجابة لا تكمن في الرقم وحده، بل في طريقة قراءته، وفي التفاصيل التي لا تظهر للوهلة الأولى.
الصفقة بالأرقام: خريطة التقييم
ربما تبدو الأرقام متضاربة حين يُقال إن قيمة المنشأة الكلية للنادي تبلغ 1.4 مليار ريال (373 مليون دولار)، بينما تُقدَّر حقوق الملكية بـ1.2 مليار ريال (320 مليون دولار). لكن هذه الأرقام تعكس معادلة مالية معيارية واضحة:
قيمة المنشأة = قيمة حقوق الملكية + صافي الدين ->
1,4 مليار ريال (373 مليون دولار) = 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار) + 200 مليون ريال (53 مليون دولار)
بمعنى آخر، يحمل الهلال صافي ديون مستنتجاً بنحو 200 مليون ريال (53 مليون دولار)، ليكون عنصراً يُضاف إلى كلفة الصفقة الفعلية. أما مبلغ 840 مليون ريال (224 مليون دولار) فيمثل 70% من قيمة حقوق الملكية البالغة 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار)، وليس 70% من قيمة المنشأة الكلية. وهذا فارق جوهري يقع فيه كثير من الالتباس.
| تفاصيل الصفقة | |
|---|---|
| البند | القيمة |
| القيمة الكلية | 1,4 مليار ريال (373 مليون دولار) |
| قيمة حقوق الملكية | 1,2 مليار ريال (320 مليون دولار) |
| الحصة المشتراة | %70 |
| ثمن الصفقة | 840 مليون ريال (224 مليون دولار) |
| التمويل | داخلي بالكامل من دون اقتراض |
قراءة الإيرادات: مشكلة الخلط بين رقمين
قبل الحكم على التقييم، يجب أولاً تفكيك بند الإيرادات؛ وهنا يقع كثيرون في خطأ القراءة. فللصورة الحقيقية وجهان:
- إيرادات الأنشطة الرئيسية، وفق ما أعلنتها "المملكة القابضة": 842 مليون ريال (225 مليون دولار) للسنة المنتهية في حزيران/يونيو 2025، مقابل 659 مليون ريال (176 مليون دولار) في السنة السابقة. وهذه إيرادات تجارية قابلة للتكرار والنمو.
- الإيرادات الكلية، وفق ما تظهر في التقرير السنوي: 1,27 مليار ريال (339 مليون دولار) للسنة نفسها، وتشمل التبرعات وبنوداً أخرى أقل استدامة.
الفارق بين الرقمين ليس تناقضاً محاسبياً، بل يعكس قراراً تحليلياً مقصوداً: المملكة القابضة بنت تقييمها على الإيرادات التي يمكن تأسيس نموذج تجاري مستدام عليها، لا على الإيرادات المرتبطة بنوايا المتبرعين أو البنود غير المتكررة.

جوهر الخطر: بند التبرعات يستحق التوقف
أكثر من سدس إيرادات الهلال الكلية، أي 212 مليون ريال (56,5 مليون دولار) في موسم 2025، مصنف في البيانات المالية تحت بند "تبرعات"، ويُشار إلى أن جزءاً كبيراً منها مصدره الأمير الوليد بصفته عضو شرف ذهبي.
بعد اكتمال الاستحواذ، يتغير السؤال مباشرة: لم يعد السؤال "كم تبلغ التبرعات؟"، بل: "ماذا سيحدث لها حين يصبح المتبرع هو المالك؟".
تصريح الرميان بأن التبرعات "لا يمكن منعها" يفتح الباب لاحتمال الاستمرار، لكنه لا يمنح السوق ضماناً قابلاً للقياس. والسيناريوات المحتملة ثلاثة:
- أن تتحول هذه المبالغ إلى رعايات مؤسسية تُدرج ضمن الدخل التجاري، فتدعم الهامش الربحي.
- أن تستمر بصيغتها الحالية ضمن هيكل الملكية الجديد.
- أن تتراجع تدريجاً مع تغير البنية المالية للنادي.
كل مسار من هذه المسارات كفيل بإعادة رسم صورة الربحية بالكامل. فهذا البند وحده يعادل نحو ست نقاط من هامش الربح إذا اختفى من دون تعويض.
الأداء المالي: نمو حقيقي بهامش بسيط
| الأداء المالي لنادي الهلال 2023 - 2025 | |||
|---|---|---|---|
| البند | 2023-2024 | 2024-2025 | التغيّر |
| الإيرادات الكلية | 1,090 مليون ريال (291 مليون دولار) | 1,270 مليون ريال (339 مليون دولار) | +17% |
| إيرادات الأنشطة الرئيسية | 659 مليون ريال (176 مليون دولار) | 842 مليون ريال (225 مليون دولار) | +28% |
| صافي الربح | 33,4 مليون ريال (8,9 ملايين دولار) | 37,8 مليون ريال (10,1 ملايين دولار) | +13% |
| هامش الربح الصافي | 3.1% | 3.0% | ثابت |
| الحضور الجماهيري | — | +79% | |
النمو بنسبة 28% في إيرادات الأنشطة الرئيسية خلال موسم واحد لافت، لكن هامش الربح الصافي بقي عند حدود 3% تقريباً؛ وهذا يعني أن التكاليف تنمو بوتيرة تقارب نمو الإيرادات. "الهلال" يربح فعلياً، لكنه لا يزال في مرحلة البناء أكثر منه في مرحلة الحصاد.
| تفصيل بعض بنود النشاط | |||
|---|---|---|---|
| النشاط | 2023-2024 | 2024-2025 | التغيّر |
| الرعايات | 454,4 مليون ريال (121,1 مليون دولار) | 506 ملايين ريال (135 مليون دولار) | +11% |
| التبرعات | 181,6 مليون ريال (48,4 مليون دولار) | 212 مليون ريال (56,5 مليون دولار) | +17% |
| البطولات والكؤوس | 41,5 مليون ريال (11,1 مليون دولار) | 93,3 مليون ريال (24,9 مليون دولار) | +125% |
| البثّ التلفزيوني |
— | 54,4 مليون ريال (14,5 مليون دولار) | جديد |
| التسويق | 47,5 مليون ريال (12,7 مليون دولار) | 42,4 مليون ريال (11,3 مليون دولار) | -11% |
| الأكاديميات | 34,5 مليون ريال (9,2 ملايين دولار) | 36,3 مليون ريال (9,7 ملايين دولار) | +5% |
ملاحظة مهمة: الفارق بين الإيرادات الكلية المعلنة، البالغة 1,27 مليار ريال (339 مليون دولار)، ومجموع البنود المفصّلة البالغ نحو 1,17 مليار ريال (312 مليون دولار)، يصل إلى قرابة 99 مليون ريال (26,4 مليون دولار)، وهذا لم يُفصح عن مصدره رسمياً في البيانات المتاحة.
مضاعفات التقييم: رخيص بالمقاييس الدولية
| المقياس | القيمة | الدلالة |
|---|---|---|
| قيمة المنشأة/ إيرادات الأنشطة الرئيسية | 1.66 ضعف | الأساس الأرجح للتقييم |
| قيمة المنشأة/ الإيرادات الكلية | 1.10 ضعف | متحفظ جداً |
| مضاعف السعر إلى الأرباح (حقوق الملكية/ صافي الربح) | 31.7 ضعفاً | مرتفع نسبياً لكنه يعكس توقعات نمو قوية |
| هامش الربح الصافي | 3.0% | مرحلة بناء |
يبدو مضاعف التقييم 1.66 مرة منخفضاً إذا ما قورن بصفقات دولية كبرى، فقد دُفعت نحو 5.7 أضعاف الإيرادات في صفقة تشيلسي في 2022، ونحو 4.9 أضعاف في باريس سان جيرمان. حتى نيوكاسل، بلغ مضاعف الاستحواذ فيه 2.2 ضعف.
صحيح أن هذا الخصم مبرر جزئياً، لأن الدوري السعودي لا يزال يفتقر إلى حقوق البث الدولية التي تضخّ مئات الملايين في خزائن الأندية الأوروبية الكبرى. لكن، في المقابل، الهلال يُباع بسعر سوق ناشئة، ورهان هذه الصفقة قائم على أن هذه السوق نفسها سيعاد تسعيرها مع اقتراب مونديال 2034.

نيوكاسل: الدرس والحدود
"نيوكاسل يونايتد" هو المرجع الأقرب لفهم ما قد يبلغه الهلال مستقبلاً. عندما استحوذ عليه صندوق الاستثمارات العامة (PIF) في تشرين الأول/أكتوبر 2021 مقابل نحو 305 ملايين جنيه استرليني (410 ملايين دولار)، كان النادي يحقق إيرادات تبلغ 140,2 مليون جنيه استرليني (نحو 177,3 مليون دولار) ويعاني خسائر تشغيلية.
لم يحقق نيوكاسل ربحاً تشغيلياً فعلياً في أيّ من سنواته الخمس تحت ملكية الصندوق، كما أن صفقة بيع جزء من ملكية الملعب والتدفقات المرتبطة بها كانت تهدف أساساً إلى الامتثال لقواعد الربحية والاستدامة في أوروبا، وليس إلى تحسين الأداء التشغيلي الحقيقي. ولولا تلك المعالجات، لكانت الخسارة التشغيلية الفعلية أعلى كثيراً.
كانت الإيرادات التجارية هي المحرّك الحقيقي لارتفاع تقييم نيوكاسل، إذ ارتفعت من 28 مليون جنيه استرليني (نحو 35,4 مليون دولار) عند الاستحواذ إلى 120,2 مليون جنيه (نحو 152 مليون دولار)، بنمو بلغ 330%، مدفوعاً بشراكات تجارية كبرى، وإدارة داخلية للتجزئة.
| مقارنة أولية بين نيوكاسل والهلال | ||
|---|---|---|
| المعيار | نيوكاسل (2021) | الهلال (2026) |
| الإيرادات التجارية | نحو 105 ملايين ريال (28 مليون جنيه) | نحو 506 ملايين ريال (107 ملايين جنيه) |
| هامش الربح الصافي | -43% | +3% |
| مضاعف الاستحواذ (قيمة المنشأة/ الإيرادات) | 2.2 ضعف | 1.66 ضعف |
| قيمة المنشأة | نحو 410 ملايين دولار | نحو 373 مليون دولار |
هل يمكن تكرار نموذج نيوكاسل؟
من حيث الانطلاقة المالية، تبدو شروط "الهلال" أفضل من شروط "نيوكاسل". لكن المسألة ليست مالية فقط، بل هيكلية أيضاً. هذا رفع نيوكاسل من المركز الـ 28 إلى المركز الـ 15 في قائمة "ديلويت" لأغنى أندية العالم، اعتماداً على عاملين رئيسيين:
- شراكات تجارية كبرى وإدارة التجزئة داخلياً.
- المشاركة في دوري أبطال أوروبا وما تمنحه من حضور إعلامي وتجاري واسع.
يملك "الهلال" اليوم قاعدة تجارية قوية، مع 17 راعياً، ويملك قاعدة جماهيرية آسيوية لا يملكها "نيوكاسل". ما ينقصه حتى الآن هو المكافئ الدولي لدوري أبطال أوروبا: بطولة تمنحه تغطية إعلامية عالمية، وترفع قيمة علامته التجارية بوتيرة أسرع. ومع اقتراب "مونديال 2034" وتزايد الاهتمام الدولي بالدوري السعودي، قد يتغير هذا الواقع. لكن ذلك يظل حتى الآن رهاناً على المستقبل، لا ضماناً حاضراً.
إذا واصل "الهلال" نموه بنسبة 25% سنوياً في إيراداته الأساسية، وهي النسبة التي حققها فعلاً في موسم 2024-2025، فقد تصل قيمة منشأته إلى ما بين 1,4 و1,7 مليار دولار بحلول 2031، أي ما يعادل أربعة إلى خمسة أضعاف ما دُفع اليوم.
لكن الشرط الحاسم لذلك يبقى واضحاً: تحويل التبرعات الشخصية إلى رعايات مؤسّسية مستدامة، وهذا تماماً ما قاد قفزة "نيوكاسل" التجارية.
ليس نادياً عادياً: ماذا يشتري الأمير الوليد بن طلال؟
قبل الدخول في الحسابات، هناك سياق لا تعكسه الجداول المالية وحدها. فـ "الهلال" ليس مجرد نادٍ سعودي لكرة القدم، بل هو الأكثر تتويجاً في تاريخ الكرة السعودية والآسيوية:
- 21 لقباً في الدوري السعودي، وهذا رقم قياسي لم يُقترب منه.
- 9 ألقاب في كأس خادم الحرمين الشريفين، آخرها في 2023 و2024.
- 13 لقباً في كأس ولي العهد، بينها 6 ألقاب متتالية بين 2008 و2013.
- 4 ألقاب في دوري أبطال آسيا، ما يجعله من الأكثر تتويجاً قارياً خارج اليابان وكوريا.
- الرقم القياسي العالمي في الانتصارات المتتالية: 34 فوزاً متوالياً في موسم 2023-2024، متجاوزاً أرقاماً حققتها أندية أوروبية عريقة.
- كان موسم 2023-2024 استثنائياً بكل المقاييس: لقب الدوري من دون هزيمة، وأعلى رصيد نقطي وتهديفي في تاريخ المسابقة، مع تسجيل 101 هدف في موسم واحد.
لا يُقاس هذا الإرث بعدد الكؤوس فحسب، بل يترجم إلى قاعدة جماهيرية تمتد إلى مئات الملايين من المتابعين حول العالم، وإلى قيمة علامة تجارية لا تعكسها الميزانيات الحالية بالكامل.
الرميان تحدث بالأرقام قبل الصفقة بيومين
في 14 نيسان/أبريل 2026، وخلال مؤتمر صحفي حكومي في الرياض، أعلن محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان أن استثمار الصندوق في الأندية حقق مستهدفاته، وكشف أنه سيعلن عن بيع حصة في أحد الأندية. لكن الأهم من الإشارة إلى الصفقة المرتقبة كان ما قاله عن نتائج السنوات الثلاث الماضية، إذ أوضح بأن الإيرادات التجارية ارتفعت، وأن إيرادات يوم المباراة زادت بنسبة 120%، إلى جانب نمو إيرادات المتاجر والمنتجات الرسمية والرعاية.
أما المؤشر الأكثر دلالة فجاء من البيانات المالية نفسها: الحضور الجماهيري في ملاعب "الهلال" قفز بنسبة 79% في موسم 2024-2025 وحده. وهذا لا يعني بيع المزيد من التذاكر فحسب، بل يعني أيضاً نمواً في إيرادات يوم المباراة، ومبيعات المتاجر داخل الملعب، وارتفاع القيمة التسويقية لكل رعاية مرتبطة بحجم الجمهور الحاضر.
في السياق ذاته، أشار الرميان إلى بند التبرعات بقوله إن التبرعات المقدّمة من الأعضاء أو الجماهير لا يمكننا منعها. وهذه إشارة توحي بأن هذا المورد قد يستمر بشكل ما، لكنها لا تقدم التزاماً مالياً صريحاً يمكن البناء عليه.
ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟
ثمة أسئلة لم تُجب عنها البيانات المعلنة بعد، وقد تكون أهم من السعر نفسه:
- مصير التبرعات: توقفها يعني فقدان ما يعادل ست نقاط كاملة من هامش الربح، بينما تحويلها إلى رعاية مؤسسية قد يحقق أثراً معاكساً تماماً.
- الأندية الثلاثة الأخرى: تصريحات الرميان لم تكن تخص الهلال وحده. مسار صفقات النصر والاتحاد والأهلي سيكشف هل نحن أمام نموذج قابل للتكرار أم أمام حالة استثنائية.
- حوكمة مجلس الإدارة: هل احتفظ الصندوق والمؤسسة بنسبة 30%؟ هذه الملكية غير معلنة وليست رقماً هامشياً؛ فتركيبة مجلس الإدارة هي التي تحدد من يملك القرار الفعلي في التعاقدات والاستراتيجية.
- حجم الأجور: البيانات المعلنة لا تكشف حجم فاتورة اللاعبين، وقد يكون هنا الفارق الحقيقي بين الربح والخسارة.
خلاصة
المملكة القابضة اشترت، في الواقع، أصلاً يُسعَّر كسوق ناشئة رغم أنه يتصرف من جوانب كثيرة كأصل ناضج: 21 لقباً دورياً سعودياً، و4 ألقاب آسيوية، وإيرادات تجارية بمستوى متقدم، وربحية قائمة فعلاً، وحضور جماهيري قفز إلى 79% في موسم واحد. لهذا يبدو مضاعف الاستحواذ متحفظاً إذا قورن بالمعايير الدولية.
ما يُشترى هنا ليس فقط نادي "الهلال" بإيراداته الحالية، بل منحنى نموه: بث دولي لم يبلغ ذروته بعد، ورعايات في صعود، ومونديال سيُقام على أرض السعودية بعد ثماني سنوات.
لا يتعلق التحفظ الحقيقي الذي يستحق المراقبة بالسعر ولا بهيكل الصفقة، بل ببند واحد في الميزانية: 212 مليون ريال (56,5 مليون دولار) من التبرعات، لا يعرف أحد حتى الآن كيف ستُعامل عندما يصبح أكبر متبرع نفسه هو المالك. في هذا البند وحده قد يكمن الفارق بين صفقة جيدة وصفقة استثنائية.
نبض