اجتماعات الربيع 2026: اقتصاد عالمي تحت ضغط الصدمات وتمويل طارئ في الواجهة
يجتمع صانعو السياسة الاقتصادية في واشنطن في لحظة دولية شديدة التعقيد، مع انطلاق اجتماعات الربيع لكل من صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي بين 13 و18 نيسان/أبريل 2026، وسط مؤشرات متزايدة على دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الهشاشة، عنوانها الأبرز: تلاقي الأزمات بدل تتابعها.
وتتصدر جدول الأعمال قضايا النمو الاقتصادي العالمي، الديون، الحد من الفقر، إلى جانب إصدار التقارير الرئيسية المتعلقة بالإصلاحات المالية وتوقعات النمو.
من جائحة لم تُستكمل تداعياتها، إلى حرب في أوروبا، وصولاً إلى تصعيد واسع في الشرق الأوسط، تتعامل المؤسسات المالية الدولية مع ما يُوصَف بـ "صدمة ثالثة" تضرب الاقتصاد العالمي خلال أقل من عقد، وتفرض إعادة رسم أولويات السياسات الاقتصادية على مستوى العالم.

تباطؤ النمو وعودة التضخم إلى الواجهة
تتجه الأنظار إلى تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" المرتقب، حيث تشير التقديرات الأولية إلى خفض جديد في توقعات النمو، لا سيما في الأسواق الناشئة، التي كانت تُعدّ سابقاً محرّك النمو العالمي، لكنها باتت اليوم في قلب المخاطر، مع تراجع التوقعات إلى نحو 3.6%، واحتمال هبوطها أكثر في حال استمرار التصعيد الجيوسياسي.
في المقابل، يعود التضخم ليشكّل التحدي الأكثر إلحاحاً، إذ انعكست ارتفاعات أسعار الطاقة، الناتجة عن التوترات في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، مباشرة على كلفة النقل والإنتاج، ما يُنذر بموجة تضخمية جديدة قد تصل إلى حدود 5% في الاقتصادات النامية، مع مخاطر أعلى في السيناريوات السلبية.
هذا التلاقي بين ضعف النمو وارتفاع التضخم يعيد طرح شبح "الركود التضخمي"، وهو السيناريو الذي تحاول السياسات النقدية تفاديه منذ سنوات، لكنه يعود اليوم بقوة إلى النقاشات الاقتصادية.
وفي حديثه لـ"النهار"، يتوقع الدكتور جلال قناص، أستاذ الاقتصاد في جامعة قطر، أن تركز اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي على تباطؤ النمو العالمي وتزايد مخاطر الركود التضخمي، في ظل تراجع النمو وارتفاع معدلات التضخم معاً، وما يفرضه ذلك من تحديات على صانعي السياسات الاقتصادية.
في السياق نفسه، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس بوذياب، عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في حديثه لـ"النهار"، إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الأزمة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، ما قد ينعكس ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط قد يصل إلى نحو 170 دولاراً للبرميل في حال تفاقم الوضع.
ويضيف أن كل زيادة بنحو 10% في أسعار النفط قد تؤدي إلى تراجع النمو بنحو 0.1%، في وقت خفّض فيه صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو من 3.4% إلى 2.7%.
ويشير أيضاً إلى أن هذا الواقع يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة بين دعم النمو وكبح التضخم، وقد يدفعها إلى الانتقال من سياسات التيسير النقدي، المعتمدة عبر خفض أسعار الفائدة، إلى سياسات أكثر تشدداً إذا استمر ارتفاع التضخم، ما قد يحدّ من النمو ويزيد احتمالات الركود التضخمي.
عودة الدور المركزي للتمويل الدولي
في مواجهة هذه الضغوط، يتصدّر ملف التمويل الطارئ جدول الأعمال، إذ يُتوقّع ارتفاع الطلب على برامج الدعم من صندوق النقد الدولي إلى مستويات غير مسبوقة منذ جائحة كورونا، مع تقديرات تشير إلى حاجة قد تصل إلى 50 مليار دولار خلال الفترة القريبة.
بالتوازي، تسعى مجموعة البنك الدولي إلى تعبئة نحو 70 مليار دولار لدعم الدول الأكثر تضرراً، خصوصاً تلك التي تواجه صدمات مزدوجة تتمثل في:
ارتفاع أسعار الغذاء
ارتفاع أسعار الطاقة
تضخم كلفة خدمة الدين
غير أن هذا الدور المتنامي لا يخلو من التحديات، في ظل الانتقادات المتكررة لشروط الإقراض، ومخاوف من تفاقم أعباء الديون على الدول النامية.
ويُتوقع الدكتور قناص أن يحظى ملف الدين العام، خصوصاً في الدول النامية، باهتمام واسع، في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض نتيجة استمرار معدلات الفائدة المرتفعة، واحتمال مزيد من الضغوط عليها إذا استمر التضخم بالتصاعد، ما يفاقم أعباء التمويل والاستدامة المالية.
في المقابل، يلفت بوذياب، إلى أن اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد تبحث توفير حزم دعم للدول المتضررة، مع أمل بأن يستفيد لبنان من هذه الترتيبات عبر حقوق السحب الخاصة أو برامج الدعم المتاحة.
أزمة غذاء صامتة تتعمّق
بعيداً من الأضواء السياسية، يحتل ملف الأمن الغذائي موقعاً متقدماً في النقاشات، إذ تشير التقديرات إلى احتمال انضمام عشرات الملايين إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الأسمدة والمواد الأساسية.
وتحذر أوساط دولية من أن الأزمة الحالية قد تتحول من ظرفية إلى بنيوية، خصوصاً في الدول الهشّة التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: مخاطر غير محسوبة
في موازاة التحديات التقليدية، يبرز ملف الذكاء الاصطناعي ومخاطر التكنولوجيا المالية على النظام المالي العالمي.
وتحذر مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، من أن الأنظمة المالية العالمية "غير مستعدة بالكامل" لهذه التحولات، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن السيبراني واستقرار الأسواق.
وتشير إلى ضرورة "ربط الأحزمة"، معتبرة أن التوقعات الاقتصادية الجديدة والتقرير حول الاستقرار المالي العالمي لا تبشر بالطمأنينة، مضيفة: "نظراً لتأثير الحرب، سنقوم بخفض التوقعات".
ويعكس هذا الطرح تحوّلاً في أولويات المؤسسات الدولية، من إدارة الأزمات التقليدية إلى التعامل مع مخاطر المستقبل.
في هذا السياق، يشير الدكتور قناص إلى وجود تفاوت واضح في الجاهزية بين الدول، إذ تواجه الاقتصادات النامية تحديات بنيوية في البنية الرقمية قد تعيق استفادتها من هذه التحولات، مقابل استفادة أكبر للدول المتقدمة.
اقتصاد بلا هوامش أمان
على الصعيد الجيوسياسي، يلفت الدكتور قناص إلى استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك مخاطر تعطّل الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، وانعكاساتها على أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج، ما قد يؤدي إلى تباطؤ إضافي في النمو العالمي. كما تشمل النقاشات تداعيات السياسات التجارية السابقة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، بالتوازي مع تزايد القيود المالية لدى الحكومات، لا سيما في الاقتصادات النامية، ما يحدّ من قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
ويضيف أن ارتفاع الإنفاق الدفاعي يطرح معادلة مزدوجة، إذ قد يسهم في دعم النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لكنه يضغط على الموارد العامة ويؤثر سلباً على الاستدامة المالية على المدى الطويل.
في المحصلة، تعكس اجتماعات الربيع 2026 تحوّلاً عميقاً في طبيعة الاقتصاد العالمي، من مرحلة التركيز على التعافي والنمو إلى مرحلة إدارة المخاطر والأزمات.
وبين تباطؤ النمو، وعودة التضخم، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يقف العالم أمام مرحلة دقيقة عنوانها: اقتصاد عالمي بلا هوامش أمان كافية، ومؤسسات دولية مطالبة بلعب دور أكبر، ولكن ضمن شروط أكثر تعقيداً.
نبض