النفط لن يعود لسعر ما قبل الحرب قريباً مهما قال ترامب
حين يعلن رئيس أميركي هدنة عبر منصّة «تروث سوشال» Truth Social، وتهبط أسعار النفط 15% في ليلة واحدة، يبدو المشهد كأن الأسواق استعادت توازنها. لكن الأسواق، حين تنفعل بالخبر العاجل، كثيراً ما تخطئ في قراءة ما يستقرّ تحته من وقائع اقتصادية صلبة. والحقيقة أن هناك سبعة عوامل متشابكة ومتساندة تشير إلى أن النفط سيبقى أعلى مما يأمل المستهلكون، وربما أعلى مما تتوقعه البنوك الكبرى، خلال الأشهر المقبلة.
هرمز لم يُفتح بعد
بعد أكثر من 36 ساعة على إعلان الهدنة، لا يزال مضيق هرمز في حالة شبه إغلاق. وتُظهر بيانات حركة السفن أن معدل العبور لا يتجاوز 7 إلى 8 سفن يومياً، مقابل أكثر من 130 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب. وهذه الفجوة ليست تفصيلاً لوجستياً عابراً؛ بل تعني أن نحو 93% من الطاقة التشغيلية لأهم ممر نفطي في العالم لا تزال خارج الخدمة الفعلية.
في هذا السياق، لا تعني الهدنة أكثر من قبول إيراني بإمكان التفاوض على فتح المضيق، لا فتحه فعلياً. وما دام الحرس الثوري يحتفظ بمنظوماته الصاروخية على ضفتيه، فستظل شركات التأمين البحري تصنّف المنطقة باعتبارها «منطقة حرب»، وهو ما يكفي وحده لإبقاء كثير من الناقلات على المسار الأطول حول رأس الرجاء الصالح. كذلك تريد إيران فرض رسوم لعبور المضيق في حدود دولار لكل برميل إضافة إلى سيطرة أكبر على المدى البعيد.
البنية التحتية لا تُصلحها التصريحات
على مدى أسابيع، تعرّضت منشآت النفط الخليجية لضربات مباشرة، وأصيبت سلاسل الإمداد بشلل واسع. وحتى مع عودة الاستقرار الأمني، فإن استعادة الطاقة الإنتاجية السابقة ليست زراً يُضغط عليه، بل عملية فنية معقدة قد تمتد من أسابيع إلى أشهر: من إعادة ضخ المواد اللازمة، إلى رفع ضغط الخزانات، إلى إعادة تشغيل المنشآت التي أُغلقت اضطراراً، وكل ذلك مشروط أصلاً بتوافر بيئة ميدانية آمنة.
لذلك، فإن من يتوقع عودة الإنتاج الخليجي إلى مستويات ما قبل الحرب خلال أسبوعين يخلط بين الإعلانات السياسية ومتطلبات الهندسة التشغيلية.
أرامكو قالت كلمتها حتى يونيو
قد تهبط الأسعار في الأسواق الفورية للنفط مع الأخبار، لكن السوق الفعلية للخام تتحرك بمنطق مختلف. فقد أعلنت أرامكو، قبل أيام، سعرها الرسمي لشهر مايو بعلاوة قياسية بلغت 19.50 دولاراً للبرميل فوق سعر القياس (متوسط خام دبي وعُمان) للمشترين في آسيا، في أكبر قفزة شهرية في تاريخ الشركة. وكما هو معروف فإن تسعير أرامكو يحدد أسعار باقي الشركات في المنطقة.
والأهم أن تحميلات أبريل ومايو أُنجزت بالفعل، والعقود أُبرمت عند مستويات مرتفعة. وهذا يعني ببساطة أن الأسعار التي تدفعها المصافي فعلياً لن تتراجع قبل حزيران/يونيو في أفضل الأحوال، بصرف النظر عن صعود عقود المستقبل أو هبوطها على شاشات التداول.
إيران لا تريد نفطاً رخيصاً
ثمة نقطة تغيب عن كثير من التحليلات: إيران، وهي تخوض حرباً مكلفة، تحتاج إلى التمويل. وعائدات النفط تظل شرياناً مالياً رئيسياً لدولة ترزح تحت عقوبات مشددة واقتصاد مثقل بالضغوط. ومن هذا المنظور، فإن هبوط الأسعار الحاد لا يخدم طهران؛ لأنه يضعف موقعها التفاوضي ويقلص مواردها اللازمة لإعادة البناء.
ولهذا يمكن فهم إصرار الحرس الثوري على لغة «التنسيق المشروط» بدلاً من إعلان فتح كامل وغير مشروط للمضيق.
الناقلات تقول ما لا تقوله الهدنة
أرقام الشحن لا تؤيّد الحديث عن فتح فعلي لمضيق هرمز. فبحسب بيانات كبلر (Kpler)، تراجع العبور عبر المضيق بنسبة 92% مقارنة بالأسبوع الأول السابق للحرب. لكن الأثر الأكبر يظهر داخل الخليج، حيث تقدّر كبلر وجود أكثر من 800 سفينة عالقة، بينها 426 ناقلة نفط ومشتقات نفطية، و34 ناقلة LPG، و19 ناقلة غاز طبيعي مسال، إلى جانب سفن الحاويات والبضائع السائبة، كما أن 187 ناقلة محمّلة بالكامل، تحمل نحو 172 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، لا تزال تنتظر عبوراً آمناً داخل المضيق أو عند أطرافه.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع استمرار المخاطر الأمنية، بعد الإعلان عن ثلاث هجمات على سفن منذ السبت الماضي، كان آخرها استهداف السفينة Qingdao Star يوم الثلاثاء. وحتى في حال إعادة فتح المضيق فوراً، تقدّر كبلر أن تصريف تراكم السفن سيستغرق أكثر من أسبوعين قبل عودة الإمدادات إلى مسارها المعتاد. وفي الوقت نفسه، ما تزال شركات التأمين البحري تصنّف المنطقة «منطقة حرب»، بينما تظلّ أقساط التأمين عند مستويات مرتفعة تكفي وحدها لإبطاء عودة الملاحة الطبيعية.
العامل القطري المنسيّ: كارثة بطيئة
وسط تسارع الأخبار، برز من الدوحة تطوّر يستحق توقفاً جاداً. فقد أدّت الضربات الإيرانية على منشآت رأس لفان إلى إخراج 17% من طاقة تصدير الغاز القطري من الخدمة، أي ما يعادل 12.8 مليون طن سنوياً، لمدة تراوح بين ثلاث وخمس سنوات، بحسب تقدير وزير الطاقة القطري نفسه. وأعلنت «قطر للطاقة» حالة القوة القاهرة على كامل صادراتها.
ولا يقتصر أثر ذلك على سوق الغاز وحدها؛ فأوروبا وآسيا، اللتان كانتا تعوّلان على الإمدادات القطرية، ستضطران إلى تعويض جزء من النقص عبر الوقود السائل، أي النفط ومشتقاته. وبذلك يتولد طلب هيكلي جديد على النفط، بصرف النظر عن مصير الهدنة.
المخزونات الاستراتيجية تريد أن تُملأ من جديد
خلال ذروة الأزمة، لجأت الدول المستهلكة الكبرى إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية لاحتواء الصدمة. والولايات المتحدة وحدها ضخت ملايين البراميل من احتياطيها النفطي الاستراتيجي. لكن هذه الكمّيات لا بد من أن تُعاد إلى المخازن لاحقاً، وإعادة تعبئتها تعني طلباً إضافياً على النفط، في وقت لم يستعد فيه العرض عافيته الكاملة بعد.
بمعنى آخر، فإن الطلب سيأتي من جبهتين في آن واحد: الاستهلاك الطبيعي من جهة، وإعادة بناء المخزونات من جهة أخرى.
وتلخيصاً لكل هذا الوضع فإن قرأنا هذه العوامل السبعة معاً، يتضح أن الهدنة أزالت جزءاً من "علاوة الذعر" (fear premium) التي دفعت الأسعار فوق 110 دولارات، لكنها لم تُزل "علاوة الندرة" (scarcity premium) التي تنبع من اختلال هيكلي حقيقي بين عرض مكبوت وطلب لا يتراجع. وما لم تُثبت مفاوضات إسلام آباد خلال الأسبوعين المقبلين أنها أكثر من استراحة مؤقتة، فإن توقعات وول ستريت جورنال بعودة برنت إلى 80 دولاراً تبدو – في ضوء هذه الوقائع السبع – أمنيةً أكثر منها تحليلاً.
نبض