محضر الفيدرالي الأميركي يكشف معضلة الحرب

اقتصاد وأعمال 09-04-2026 | 13:57

محضر الفيدرالي الأميركي يكشف معضلة الحرب

التضخم يتراجع ببطء، والأسواق تراهن على أن المسألة لم تعد ما إذا كان الخفض سيأتي، بل متى سيأتي؟
محضر الفيدرالي الأميركي يكشف معضلة الحرب
البنك المركزي الأميركي (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يدخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه في أذار/مارس وهو يناقش سؤالاً تقليدياً من نوع متى يبدأ خفض الفائدة؟ ما تكشفه وقائع الاجتماع هو أن الحرب الإيرانية دفعت صانعي السياسة النقدية في الولايات المتحدة إلى منطقةٍ أكثر تعقيداً وإرباكاً، منطقة لم يعد فيها الخطر محصوراً في تضخمٍ يرفض الهبوط، ولا في نموٍ يتباطأ بهدوء، بل في احتمال اجتماع الاثنين معاً في توقيتٍ واحد. وهذا تحديداً هو النوع الأكثر إزعاجاً لأي بنكٍ مركزي، أسعار قد ترتفع بفعل الطاقة، فيما يتآكل النشاط الاقتصادي وسوق العمل في الخلفية.

 

مجلس الاحتياطي الفيدرالي (أ ف ب)
مجلس الاحتياطي الفيدرالي (أ ف ب)

 

في الأشهر السابقة، كان النقاش النقدي الأميركي يميل إلى اتجاهٍ أوضح نسبياً. التضخم يتراجع ببطء، والأسواق تراهن على أن المسألة لم تعد ما إذا كان الخفض سيأتي، بل متى سيأتي؟ لكن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بدّل هذا الإيقاع. فجأة، لم تعد أسعار النفط والغاز مجرد متغيراتٍ في الهامش، بل صارت عنصراً قد يعيد تشكيل المسار النقدي كله. وهكذا وجد الفيدرالي نفسه أمام معادلةٍ أكثر قسوة، إذا استمرت الحرب ورفعت تكلفة الطاقة لمدة أطول، فإن التضخم قد يبقى أعلى من المستهدف. وإذا امتدت الحرب وبدأت تضرب الطلب والتوظيف، فإن الاقتصاد نفسه قد يضعف بما يكفي لفرض تيسيرٍ لاحق. بعبارةٍ أخرى، صارت الحرب تحمل في داخلها مبرراتٍ متناقضة للسياسة النقدية، وهذا ما جعل الفيدرالي يتوقف لأنه غير قادرٍ بعد على ترجيح أي الكفتين سيكون الأثقل.

الفيدرالي لم يعد يناقش الخفض فقط
أكثر ما يلفت في محضر اجتماع الفيدرالي أن عدداً أكبر من المسؤولين أرادوا أن تعكس اللغة الرسمية للبنك المركزي نظرةً أكثر توازناً، أو بالأحرى أكثر قلقاً. لم يعد المطلوب الإبقاء على احتمال الخفض قائماً إذا تباطأ الاقتصاد فحسب، بل أيضاً الإقرار صراحةً أن رفع الفائدة قد يعود إلى الطاولة إذا بقي التضخم أعلى من الهدف لمدةٍ أطول. هذا ليس تعديلاً لغوياً بسيطاً، بل تحول في النبرة نفسها. ففي محضر كانون الثاني/يناير، كان هذا الاحتمال حاضراً ولكن بصورةٍ أضيق. أما في محضر أذار/مارس، فيبدو أن التأييد له أصبح أوسع، ما يعني أن القلق من التضخم لم يعد رأياً جانبياً داخل اللجنة، بل صار أكثر انتشاراً في قلب النقاش.

وهنا تظهر حقيقة مهمة، الفيدرالي لا يرى في الحرب مجرد حدثٍ جيوسياسي بعيد، بل صدمة قد تتسرب إلى الأسعار بطريقةٍ أعمق مما تبدو عليه في البداية. ارتفاع الطاقة لا يبقى عادةً محصوراً بمحطات الوقود أو فواتير الكهرباء. إذا طال أمده، فيبدأ بالتسلل إلى النقل، والإنتاج، والخدمات، وتوقعات المستهلكين والشركات. وما يقلق الفيدرالي أكثر هو أن الاقتصاد الأميركي خرج أصلًا من خمس سنوات كان فيها التضخم أعلى من المستوى المستهدف، وهذا يعني أن الحساسية حيال أي صدمةٍ جديدة أصبحت أكبر. فحين يعتاد الناس والشركات فكرة أن الأسعار ستظل مرتفعة، يصبح احتواء التضخم أكثر صعوبة، وأكثر تكلفة أيضاً.

التضخم هو الخوف الأعمق... لكن الوظائف لم تخرج من الصورة
محضر الاجتماع يوضح بجلاءٍ أن الغالبية داخل الفيدرالي لا تزال ترى أن العودة إلى هدف 2% ستستغرق وقتاً أطول مما كان مأمولاً في السابق. هذا وحده يكفي لتفسير التوتر داخل اللجنة. لكن الحرب أضافت طبقةً جديدة من عدم اليقين، لأن صدمة الطاقة لا تأتي في اقتصادٍ أميركي قوي بلا شقوق، بل في اقتصادٍ تظهر فيه بالفعل مؤشرات ضعفٍ في صافي خلق الوظائف. ولهذا، لم يكن النقاش داخل الفيدرالي أحادي الاتجاه بين من يخشى التضخم ومن يتجاهل بقية الصورة، بل بين خوفين حقيقيين: خوف من أن ترتفع الأسعار مجدداً بصورةٍ تجبر البنك على التشدد، وخوف من أن تؤدي الحرب نفسها إلى إنهاك سوق العمل وإضعاف الطلب.

هذا التعايش بين الخطرين هو ما يجعل المشهد النقدي الأميركي أكثر هشاشةً من السابق. فعادةً، حين يواجه البنك المركزي تضخماً مرتفعاً في اقتصادٍ متين، يكون الميل إلى التشدد أوضح. وحين يواجه تباطؤاً اقتصادياً مع انحسار التضخم، يصبح الميل إلى التيسير أسهل. لكن ما يحدث الآن يقع في المنطقة الرمادية بين السيناريوهين. النفط المرتفع قد يغذي الأسعار، وفي الوقت نفسه يضغط على المستهلكين والشركات ويقلص قدرتهم على الإنفاق والتوظيف. والنتيجة أن الفيدرالي لا يملك حتى الآن رفاهية الانحياز الواضح إلى أحد الخيارين.

لهذا بقيت الفائدة ثابتة
عند اجتماع أذار/مارس، أبقى الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي من دون تغييرً في نطاق 3.5% إلى 3.75%. القرار نفسه لم يكن مفاجئاً. لكن ما يكشفه محضر الاجتماع هو أن التثبيت لم يكن تعبيراً عن ثقة، بل عن حذرٍ مضاعف. الفيدرالي لم يتوقف لأنه يرى الصورة بوضوح، بل لأنه يرى أن نطاق الاحتمالات اتسع بصورةٍ حادة. إذا انتهت الحرب سريعاً أو تراجع أثرها على الطاقة، فقد يعود الحديث عن القصة القديمة نفسها: تباطؤ تدريجي في التضخم يفتح الباب لاحقاً لخفض الفائدة. أما إذا استمرت الحرب وانهارت الهدنة وبقي النفط مرتفعاً وبدأت الضغوط السعرية تنتشر بصورةٍ أوسع، فقد يجد البنك نفسه أمام نقاشٍ مختلف تماماً، لا يتعلق بتوقيت الخفض، بل بإمكان العودة إلى تشديد السياسة إذا أصبح خطر التضخم أكبر من أن يُتجاهل.

وهذا هو السبب الحقيقي وراء شعور الأسواق بأن قراءة الخطوة التالية أصبحت أصعب بكثير. فالتوقعات الرسمية بعد الاجتماع لا تزال تشير إلى خفضٍ واحد للفائدة في 2026، لكن هذا المسار لم يعد يبدو مستقراً كما كان في بداية العام. المستثمرون أنفسهم باتوا أقل اقتناعاً بإمكان تحقق حتى هذا الخفض الوحيد إذا بقي التضخم عنيداً وواصلت الطاقة لعب دورها التخريبي في الأسعار.

الحرب لم تغيّر السياسة بعد... لكنها غيّرت شكل الطريق
الخلاصة التي يتركها محضر الفيدرالي ليست أن البنك المركزي الأميركي يعيش حالة هلع، بل أنه بات أكثر انزعاجاً مما كان عليه قبل أسابيع. الحرب الإيرانية لم تدفعه بعد إلى تغيير الفائدة، لكنها جعلت مساره المقبل أكثر تعقيداً وأقل قابليةً للتنبؤ. وهذا في ذاته تطور مهم. فحين يصبح البنك المركزي غير قادرٍ على النظر إلى الاقتصاد عبر عدسةٍ واحدة، تصبح كل البيانات اللاحقة أكثر حساسية، وكل اجتماع أكثر ثقلاً، وكل كلمةٍ في البيان أو المؤتمر الصحافي أكثر قابليةً لتحريك الأسواق.

ما تغير فعلاً هو أن النقاش النقدي الأميركي لم يعد يدور فقط حول فكرة التباطؤ المنظم للتضخم. الحرب أعادت إدخال شبحٍ قديم إلى الغرفة: شبح اقتصادٍ قد يضعف بينما تبقى الأسعار مرتفعة. وإذا كان هذا السيناريو لا يزال احتمالاً لا قاعدة، فإن مجرد حضوره بهذه القوة في محضر الاجتماع يكفي لفهم لماذا يبدو الفيدرالي ثابتاً في مكانه، لكنه غير مطمئن. فالوقوف على الحياد في مثل هذه اللحظات لا يعني الراحة، بل يعني أن الطريق أمام صناع السياسة لم يعد مستقيماً كما كانت الأسواق تأمل.

ويبقى السؤال لتحديد وجهة الفيدرالي القادمة، هل الهدنة هشة وسيعود السؤال حول مضيق هرمز مرة آخرى؟

الأكثر قراءة

 أعلن ترامب موافقته على تعليق العمليات العسكرية ضد إيران لمدة أسبوعين، مشيراً إلى تلقي مقترح من عشر نقاط من طهران اعتبره أساساً عملياً للتفاوض.
لبنان 4/8/2026 6:06:00 AM
إسرائيل تدعم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الهجمات ضد إيران لأسبوعين بشرط أن تقوم طهران بفتح المضائق ووقف الهجمات...
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 10:51:00 AM
"القناة 12 الإسرائيلية": قيادة المنطقة الشمالية أبلغت رؤساء البلديات بضرورة البقاء في حالة تأهب قصوى