هل تنهار "بريكس" بعد حرب إيران؟

اقتصاد وأعمال 07-04-2026 | 11:16

هل تنهار "بريكس" بعد حرب إيران؟

تتحول إلى منظمة فنية متخصصة في التنمية الاقتصادية بعيداً عن السياسة، أو تواجه مصير "عصبة الأمم" التي انهارت لأنها لم تستطع منع أعضائها من افتراس بعضهم بعضاً.
هل تنهار "بريكس" بعد حرب إيران؟
صورة تذكارية لرؤساء الدول والحكومات المشاركين في قمة بريكس في ريو دي جانيرو، البرازيل، 7 يوليو 2025. (فرانس برس)
Smaller Bigger

يمثل توجيه إيران ضربات مباشرة إلى منشآت حيوية إماراتية وسعودية وكويتية وقطرية لحظة مختلفة في تاريخ النظام الدولي الناشئ. فهذا صراع واقع بين ثلاث دول أعضاء في مجموعة "بريكس"، وهذا يضع التكتل أمام أكبر اختبار وجودي منذ تأسيسه في 2006. فبينما تحاول المجموعة تقديم نفسها بديلاً لـ"هيمنة الغربي" وقوة استقرار في الجنوب العالمي، تبرز فيه فجوة هائلة بين طموحات اقتصادية كبيرة وواقع أمني -  سياسي هش.

 

بذور التفكك

تأسست مجموعة "بريكس" على مبدأ أساس: "المساواة السيادية". إلا إن توسع عام 2024 أدخل إلى التكتل أطرافاً متخاصمة إقليمياً مثل إيران والسعودية والإمارات. هدف ذلك إلى تعزيز الثقل الجيوسياسي للمجموعة، لكنه زرع في فيها بذور التفكك.

 

في ميثاق بريكس (BRICS Charter) ، لا بنود تتعلق بالدفاع المشترك ولا آليات لفض النزاعات المسلحة بين الأعضاء. فالمنظمة هي "منصة رقمية للتنسيق والتعاون"، ولا صلة لها بالشؤون العسكرية أو الاستخبارية. وهكذا، عندما تهاجم إيران (وهي عضو في بريكس) الإمارات والسعودية (وهما عضوان في بريكس)، لا تملك المنظمة أي سلطة قانونية لإدانة الهجوم أو تعليق عضوية المعتدي. فإن إعلان كازان في عام 2024 ركز على تعزيز التعددية القطبية وإصلاح النظام المالي العالمي، وكان حذراً جداً عندما تتطرق إلى النزاعات الإقليمية، وهذا يُترجم صعوبةً في التوصل إلى "قاسم مشترك" بين أعضاء يحملون توجهات متناقضة، وعجزاً عن اتخاذ موقف موحد يتجاوز الدعوة للحوار. وهذه مسألة تقلل من صدقية المجموعة بوصفها بديلاً للنظام الدولي القائم على قواعد ثابتة.

 

أعلام الدول الأعضاء الأساسيين في بريكس قبل توسعتها إلى بريكس بلس. (فرانس برس)
أعلام الدول الأعضاء الأساسيين في بريكس قبل توسعتها إلى بريكس بلس. (فرانس برس)

 

ويمثل توسع "بريكس" إلى "بريكس+" تحولاً من كتلة متجانسة اقتصادياً إلى تكتل يضم 45% من سكان العالم و35% من ناتجه المحلي الإجمالي. لكن، ترافق هذا الحجم الهائل مع ارتفاع منسوب عدم التجانس السياسي. وهذا يظهر جلياً في الحرب الراهنة.

 

روسيا والصين: حياد مُنحاز

تقف روسيا والصين، وهما الركيزتان الأساسيتان للمجموعة، في موقف "الحياد السلبي" تجاه الهجمات الإيرانية، مدفوعين بضرورات استراتيجية تتجاوز سقف "بريكس".

 

في موسكو، إيران شريك عسكري لا غنى عنه في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا. فروسيا تعتمد بشكل كبير على مسيرات "شاهد" الإيرانية، إذ تم استخدام أكثر من 54 ألف مسيرة إيرانية في هجمات على أوكرانيا في 2025. وهذا منع روسيا من اتخاذ أي موقف حازم ضد طهران داخل "بريكس". حتى إن الموقف الروسي ذهب إلى أبعد من ذلك: وصفت الخارجية الروسية العمليات الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران بأنها "عدوان مسلح". وفي مجلس الأمن، امتنعت روسيا عن التصويت على قرار يُدين الهجمات الإيرانية على منشآت حيوية في الخليج، فكان ذلك رسالةً للرياض وأبوظبي مفادها أن عضوية "بريكس" لن توفر لهما أي حماية سياسية ضد حليف موسكو الاستراتيجي.

 

أما الصين فتتبنى نهجاً يركز على "أمن بديل" يرفض التدخل العسكري الغربي، لكنها تفتقر للأدوات اللازمة لردع إيران عن ضرب حلفائها الاقتصاديين في الخليج. ورغم أن بكين هندست اتفاق التطبيع السعودي - الإيراني في 2023، فإن انهيار هذا الاتفاق اليوم كشف عن حدود النفوذ الصيني. والصين ترى في الصراع الحالي وسيلة لاستنزاف الولايات المتحدة، وهي غير مستعدة للتضحية بعلاقاتها "الشاملة" مع طهران من أجل استقرار "بريكس" كمنظمة.

 

مصر: أي التزام عربي!

مسؤولية مصر مضاعفة. فهي عضو في "بريكس" وفي جامعة الدول العربية. وهي مثال للتناقض بين "رابطة العروبة" والالتزامات القانونية بموجب معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950 من جهة، وبين واقعها الاقتصادي المتردي الذي يحد من قدرتها على الحركة من جهة أخرى.

 

أثبتت حرب إيران أن معاهدة الدفاع العربي المشترك "صُممت لتفشل". فالمعاهدة التي تُلزم الموقعين باعتبار أي عدوان على عضو عدواناً على الجميع، لم تترجم أبداً إلى قوة عسكرية فاعلة. وتاريخياً، فشلت الجامعة العربية في إدارة النزاعات البينية أو ردع القوى الإقليمية غير العربية مثل إيران.

في عام 2026، ومع تصاعد الهجمات الإيرانية، اكتفت مصر بـ "الإدانة" والدعوة إلى "التهدئة". ورغم أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صرح سابقاً بأن أمن الخليج هو "مسافة السكة"، فإن الحسابات الحالية تعقدت بسبب (1) الأزمة الاقتصادية، فمصر تعاني تضخماً حاداً وتراجعاً في إيرادات قناة السويس بسبب عدم استقرار البحر الأحمر، و(2) عضوية بريكس، إذ تخشى القاهرة من أن يؤدي الانخراط العسكري ضد إيران إلى تصادم مع روسيا والصين، وهما ممولاها المحتملان عبر بنك التنمية الجديد، و(3) التهديد الإسرائيلي، إذ ترى مصر أن إسرائيل قد تستغل الصراع لتنفيذ خطط تهجير في غزة، وهذا يجعل تأمين الحدود في سيناء أولوية مصرية، بدلاً من إرسال أي قوات للخليج.

 

قمة بريكس في البرازيل، 2025. (فرانس برس)
قمة بريكس في البرازيل، 2025. (فرانس برس)

 

حرب قتلت الأحلام

كان مفترضاً أن تكون "بريكس" المنصة التي تنهي هيمنة الدولار، وتؤسس نظاماً مالياً عادلاً، لكن الحرب بين أعضائها نسفت هذا الطموح.

 

أدى استهداف إيران منشآت النفط وإغلاقها مضيق هرمز إلى تعطيل مرور 20% من إمدادات البترول والغاز المسال العالمية. بالنسبة إلى دول مثل الهند، العضو المؤسس في "بريكس"، كان التأثير كارثياً؛ إذ تعتمد الهند على الخليج لاستيراد 63% من احتياجاتها من سماد اليوريا الزراعي و32% من سماد "DAP". أدت هذه الاضطرابات إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين 40%، ما زاد من ضغوط التضخم في "الجنوب العالمي"، وتجميد مشروعي "بريكس باي" (BRICS Pay) والعملة الموحدة، فعادت دول الخليج للاعتماد الكلي على الدولار بوصفه ملاذاً آمناً في الحرب.

 

إلى ذلك، وقعت السعودية اتفاقية دفاعية وتقنية مع أوكرانيا في آذار 2026 للحصول على تقنيات مضادة للمسيرات الإيرانية، في خطوة تمثل طعنة غير مباشرة للشراكة مع روسيا داخل "بريكس".

 

ما مصير "بريكس"؟

ثمة إجماع على أن مجموعة "بريكس" لن تعود بعد الحرب كما كانت. يمكن استشراف سيناريوات أربعة: إما التفتت المؤسسي والتحول إلى منتدى رمزي، وهذا سيناريو مرجح، كأن تبقى "بريكس" قائمة ككيان تنظيمي، لكنها بلا تأثير في السياسات العالمية؛ وإما تتحول إلى كتلة أوراسية تقودها روسيا والصين بعد خروج الدول التي لا تتبنى نهجاً صريحاً معادياً للغرب والدولرة، فيكون أكثر تجانساً لكنه سيفقد شرعيته كـ "ممثل للجنوب العالمي" وسيتحول إلى معسكر شرقي صريح في مواجهة الغرب؛ أو تولد "بريكس بسرعتين"، فتقود الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا تياراً داخل المجموعة يطالب بـ "الفصل بين الأمن والسياسة" مع التركيز على مشاريع مثل "بنك التنمية الجديد" والتعاون الصحي والزراعي، وترك القضايا الأمنية للأمم المتحدة أو التحالفات الإقليمية؛ أو الإصلاح المؤسسي وإنشاء آلية أمنية خاصة بالمجموعة، وهذا السيناريو هو الأقل ترجيحاً، مثل اقتراح إنشاء "مجلس أمن داخل بريكس" أو آلية لتعليق عضوية أي دولة تهاجم عضواً آخر. إلا إن مبدأ الإجماع وحق النقض الفعلي الممنوح لإيران وروسيا سيجعل تمرير هذه الإصلاحات مستحيلاً.

 

في نهاية المطاف، يبقى مستقبل "بريكس" معلقاً على قدرة الهند والبرازيل على إعادة تعريف مهام المجموعة. فإما أن تتحول إلى منظمة فنية متخصصة في التنمية الاقتصادية بعيداً عن السياسة، أو تواجه مصير "عصبة الأمم" التي انهارت لأنها لم تستطع منع أعضائها من افتراس بعضهم بعضاً.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.