المرتبة السادسة عالمياً.. كيف يعزز التحول الذكي اقتصاد دبي في زمن الاضطرابات الجيوسياسية؟
تحت وطأة مشهد إقليمي بالغ التعقيد، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداعيات حرب إيران، باتت قدرة الدول على التكيف السريع مع المتغيرات معياراً أساسياً في تقييم قوتها الاقتصادية واستدامتها.
وفي هذا السياق، تبرز دبي بوصفها نموذجاً عالمياً متقدماً، نجح في تحويل التحول الذكي من خيار تنموي إلى أداة استراتيجية تمكن الاقتصاد من امتصاص الصدمات وتعزيز الثقة، حتى في أكثر الفترات حساسية.
نضج النموذج الذكي
ويظهر هذا النجاح عملياً في تصنيف دبي بالمرتبة السادسة عالمياً في مؤشر المدن الذكية لعام 2026، الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD)، ليؤكد أن ما حققته الإمارة ليس إنجازاً رقمياً عابراً، بل نتيجة تراكمية لمسار طويل من الاستثمار في التكنولوجيا والحوكمة الرشيدة، كما يعزز وجود أبوظبي ضمن العشرة الأوائل عالمياً صورة التكامل في النموذج الإماراتي.
ولا تقتصر أهمية هذا التقدم على البعد التصنيفي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى دلالته الاقتصادية والاستراتيجية، إذ يكتسب أهمية مضاعفة في ظل السياق الجيوسياسي المضطرب، باعتباره أداة فاعلة في تحصين الاقتصاد، فمع تصاعد الأزمات الإقليمية، بما فيها تداعيات الحروب، يبرز التحول الذكي في دبي كخط دفاع متقدم، يخفف من حدة التأثيرات السلبية ويحول التحديات إلى فرص.
..jpeg)
5 عوائد ومكتسبات
ووفقاً لخبراء تحدثوا إلى "النهار"، فإن التحول الذكي وتقدم دبي كمدينة ذكية لا يمثلان إنجازاً تقنياً فحسب، بل يترجمان إلى خمسة عوائد اقتصادية رئيسية تعزز قدرة الإمارة على مواجهة التوترات الجيوسياسية وامتصاص تداعيات حرب إيران، تتمثل في: تعزيز المرونة الاقتصادية عبر تنويع مصادر الدخل، جذب الاستثمارات وترسيخ الثقة، ضمان استمرارية الأعمال، رفع كفاءة إدارة المخاطر، بالإضافة إلى تعزيز الاستقرار الداخلي.
وفي استعراض لتفاصيل هذه العوائد، يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد المسيري في حديثه إلى "النهار" أن التحول الذكي يمنح المدن مرونة اقتصادية أكبر عبر تقليل الاعتماد على قطاع واحد، وهو ما ينطبق بوضوح على دبي، التي وسعت قاعدة اقتصادها نحو الاقتصاد الرقمي والخدمات واللوجستيات، بما عزز قدرتها على الاستمرار وتطوير قطاعات مختلفة رغم تقلبات الأسواق الإقليمية.
ويضيف أن البنية الرقمية المتطورة لا تضمن فقط استمرارية الأعمال والخدمات دون انقطاع، بل تدعم أيضاً كفاءة التنبؤ بالمخاطر وإدارة سلاسل الإمداد من خلال البيانات والذكاء الاصطناعي، بما يحد من تأثير التوترات الجيوسياسية على حركة التجارة والتدفقات الاقتصادية.
وفي انعكاس مباشر لذلك، أسهمت البيئة الرقمية المتقدمة في ترسيخ ثقة المستثمرين، وهو ما انعكس في تصدر دبي مدن العالم في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر خلال النصف الأول من عام 2025، مع تسجيل 643 مشروعاً جديداً وفق بيانات "فايننشال تايمز – إف دي آي ماركتس"، بما يعزز صورتها كملاذ آمن لرؤوس الأموال في أوقات عدم الاستقرار.
استباق المستقبل
ويفسر هذا الزخم الاستثماري، طبيعة النهج الاستباقي الذي تبنته دبي في بناء نموذجها الذكي، إذ يشير الخبير والمحلل الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد (CISI) في الإمارات، وضاح الطه، في تصريحات لـ "النهار"، إلى أن جوهر نجاح تجربة الإمارة يكمن في استباق المستقبل، بعدما أدركت مبكراً أن التحول الرقمي لم يعد خياراً تنموياً، بل ضرورة استراتيجية لإدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار.
ويؤكد الطه أن دبي نجحت في بناء منظومة متكاملة تجمع بين بنية تحتية متطورة وبنية رقمية وتشريعية متقدمة، وهو ما خلق بيئة عالية الثقة والأمان للمعاملات الرقمية، ورسخ قدرة المؤسسات على العمل بكفاءة حتى في ظل التوترات الجيوسياسية، كما أسهم هذا النهج في ترسيخ ثقافة مؤسسية مرنة، تدعم استمرارية النشاط الاقتصادي وتحافظ على تدفق الاستثمارات حتى في أوقات الاضطراب.
وتكشف تجربة دبي، في المحصلة، أن التحول الذكي لم يعد مجرد مسار للتحديث، بل أصبح منظومة متكاملة لإدارة المخاطر وتعزيز القدرة على الصمود، فبينما تعاني اقتصادات عديدة من تداعيات التوترات الجيوسياسية وحرب إيران، تواصل الإمارة تقديم نموذج يربط بين الابتكار والاستقرار، ويحول الأزمات إلى فرص للنمو.
نبض