هجرة شبه جماعية للبنوك المركزية من سندات الخزانة الأميركية... لماذا؟

اقتصاد وأعمال 06-04-2026 | 14:00

هجرة شبه جماعية للبنوك المركزية من سندات الخزانة الأميركية... لماذا؟

انخفضت قيمة سندات الخزانة المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك من البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 شباط (فبراير) 2026.
هجرة شبه جماعية للبنوك المركزية من سندات الخزانة الأميركية... لماذا؟
جيروم باول رئيس الفيدرالي الأميركي (وكالات)
Smaller Bigger

تراجعت حيازات البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية لدى الفيدرالي الأميركي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، إذ باعت الدول هذه السندات لدعم اقتصاداتها وعملاتها في أعقاب الحرب الإيرانية، فكيف أثر الصراع بين واشنطن وطهران على سندات الخزانة الأميركية؟

وفقاً لبيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي، انخفضت قيمة سندات الخزانة المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك من البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية، بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 شباط/فبراير لتصل إلى 2,7 تريليون دولار.

باع البنك المركزي التركي وحده سنداتٍ حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار منذ 27 شباط، كما سحبت الهند وتايلاند جزءاً من احتياطياتها من سندات الخزانة الأميركية.

وشهدت حيازة السعودية من سندات الخزانة الأميركية انخفاضاً ملحوظاً بنحو 14,7 مليار دولار في كانون الثاني/يناير 2026، لتصل لنحو 134,8 مليار دولار في مقابل 149,5 ملياراً في كانون الأول/ديسمبر، في أكبر تراجعٍ شهري منذ جائحة كوفيد-19، لكنها تظل ضمن أكبر 20 مستثمراً أجنبياً في الدَّيْن الأميركي، كجزءٍ من إدارة احتياطياتها الأجنبية وعلاقتها الاقتصادية التاريخية بالولايات المتحدة.

هجرة شبه جماعية
يقول عمرو وهيب، خبير أسواق المال وعضو مجلس إدارة شركة كايزن للاستشارات المالية، لـ"النهار" إن "الهجرة شبه الجماعية للبنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية من سندات الخزانة الأميركية منذ بدء الحرب قبل شهر، تّبرز كيف أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الناجم عن إغلاق إيران مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي، إلى اضطراب الأوضاع المالية للدول التي تعتمد على واردات النفط، فضلًا عن تعزيز قيمة الدولار بشكل عام".

ويأتي هذا في وقتٍ تدخل فيه بعض البنوك المركزية في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي خطوة تتضمن عادةً بيع الدولار الأميركي.

يضيف: "ثمة ثلاثة دوافع أساسية وراء هذا السلوك، الأول هو الحاجة إلى السيولة خصوصاً لشراء الطاقة وإعادة التوازن في الاحتياطيات، والثاني هو التحوط من خسائر التقييم بعد ارتفاع العوائد وتراجع أسعار السندات، والثالث هو الرغبة فى تقليص المخاطر المرتبطة بالتضخم والعجز المالي الأميركى. فى المقابل، تحظى السندات الأميركية بطلبٍ عالمي جيد وستبقى على هذا لكن هذا الطلب أصبح أكثر انتقائية".

ويصف وهيب موقف البنوك بأنها حركة دفاعية بامتياز تعكس عقلانية الاحتياط لا انهيار القناعة. أما الطلب على السندات الأميركية فسيبقى حاضراً ولن ينتهي لكنه لن يكون طلباً سهلاً أو رخيصاً، بل سيصبح مشروطاً بعائدٍ أعلى وتعويضٍ أكبر عن المخاطر في سوقٍ أصبحت تسعر كل نقطة ضعف في المالية العامة وكل اهتزاز في توقعات التضخم.

 

الفيدرالي الأميركي. (وكالات)
الفيدرالي الأميركي. (وكالات)

 

بائعون 
الصين تستمر في توجهها الطويل الأمد لتقليل الحيازات المباشرة (التي تبلغ الآن نحو 694 مليار دولار)، رغم شكوك في أن جزءاً كبيراً منها تم نقله إلى حسابات "حفظ" في بلجيكا.
برزت الدول التي تستورد الطاقة مثل تركيا والهند كبائعةٍ ملحوظة أخيراً. ومع ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب في الشرق الأوسط، قامت هذه الدول بتسييل سندات الخزانة لتأمين السيولة النقدية لمدفوعات الطاقة والدفاع عن عملاتها المحلية أمام قوة الدولار.
من خلال سياسة "التشديد الكمي" (QT)، سمح الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لمدخراته الضخمة من السندات بالتقلص، لتنخفض نسبة ملكيته من ذروةٍ بلغت 26% في عام 2021 إلى 14% حالياً.
قلصت البرازيل وأعضاء آخرون في بريكس (BRICS) حيازاتهم كجزءٍ من تحولٍ استراتيجي أوسع نحو الذهب واحتياطيات العملات المحلية.

... ومشترون
الباحثون عن العوائد المجزية كالمملكة المتحدة وكندا واليابان. فمع بقاء العوائد الأميركية مرتفعةً (نحو 4.2 - 4.4% للسندات لأجل 10 سنوات)، زاد المستثمرون الخواص والرسميون في هذه الدول من مراكزهم. وتظل اليابان أكبر حائزٍ منفرد بأكثر من 1,2 تريليون دولار.
صناديق التحوط والأسر تمر بالتحول الأبرز، بحيث يمثل المستثمرون الخواص الآن غالبية الطلب الأجنبي. وأصبحت "الأسر" (وهذه فئة تشمل صناديق التحوط في بيانات الخزانة) شرهةً في الشراء، باستخدام "صفقاتٍ أساس" (Basis Trades) التي تستغل الفرق بين السندات النقدية وعقودها المستقبلية.
تظهر مراكز الحفظ مثل بلجيكا واللوكسمبور كـ"مشتريين" كبيرين ورقياً، لكنها تعمل في الواقع بصفتها غرف مقاصةٍ لمستثمرين دوليين مجهولين وبنوكٍ مركزية أخرى تعيد تموضع أصولها.
صناديق سوق النقد وصناديق الاستثمار المتداولة (ETFs): فمع اقتراب الفيدرالي من نهاية دورة التشديد، تتدفق أموال الأفراد والمؤسسات إلى صناديق السندات لضمان هذه المعدلات المرتفعة قبل احتمال انخفاضها.

ماذا بعد؟
عن توقعاته لعام 2026، يرجح خبير أسواق المال العالمية ألا تدخل عوائد الخزانة الأميركية في مسار هبوطٍ حاد، "لكنها ستتحرك داخل نطاق مرتفع نسبياً مع ميلٍ للصعود المحدود لأن السوق اليوم تغيرت وستتغير في ظل التغيرات العالمية للسياسة المالية والجيوسياسة".

وبسؤاله: هل تبقى السندات الأميركية ملاذاً آمناً كما كانت سابقاً؟، أجاب: "بالطبع لا، ويقترن بهذا التساؤل كم يجب أن تدفع الخزانة كي تظل ملاذاً آمناً؟".

وتعتمد البنوك المركزية العالمية على سندات الخزانة كأصلٍ احتياطي رئيسي، نظراً الى أن سوق هذه السندات، التي يبلغ حجمها نحو 30,6 تريليون دولار بنهاية شباط 2026، بحسب SIFMA وبيانات الفيدرالي، هي الأكبر والأعمق في العالم.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.