حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي: ثلاثة سيناريوات محتملة لتضخم الأسعار
مع تصاعد الحرب في إيران وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، لم تعد الأزمة مجرد توترٍ إقليمي، بل أصبحت تحمل انعكاساتٍ مباشرة على الاقتصادات النامية بشكلٍ خاص، التي تعتمد بشكلٍ كبير على واردات الطاقة والغذاء والأسمدة، مما ينذر بأزمةٍ قد تعيد إلى الأذهان صدمات جائحة كوفيد-19، لكن بأبعادٍ اقتصادية وإنسانية أشدّ خطورة.
وفي ظلّ اضطراب حركة الشحن وارتفاع أكلاف النقل والطاقة، تقف هذه الدول في مقدم المتضررين، بحيث تواجه اقتصاداتها مزيجاً من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وضغوط التضخم المتصاعدة، وانعدام الأمن الغذائي.
.jpg)
انعدام الأمن الغذائي
ولا يقتصر تأثير الأزمة على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى الأمن الغذائي المباشر، إذ تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون انعدام الأمن الغذائي في الأشهر المقبلة، يضافون إلى نحو 318 مليون شخص يعانون بالفعل من أزماتٍ غذائية حادة.
ويعكس هذا التصاعد اتساع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، ويؤكد أن تأثيرها يمتد من الطاقة والنقل إلى الأمن الإنساني والاقتصادي بشكلٍ مباشر في تلك الدول.
ضغوط الأسعار
ويظهر هذا التأثير بوضوحٍ في حركة التجارة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، 20% من الغاز الطبيعي المسال، و30% من تجارة الأسمدة. فقد شهد المضيق اضطراباً واسعاً، بحيث اضطرت السفن الى التحويل نحو مساراتٍ أطول وأكثر تكلفة، ما أدى إلى ارتفاع أكلاف النقل بين 15% و25% بحسب تقديرات برنامج الأغذية العالمي، وهو عبء ينعكس مباشرةً على أسعار السلع الغذائية والطاقة في الأسواق النامية.
وهنا يشير الباحث المتخصص في العلاقات الدولية محمد ربيع الديهي في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن "تعطل مضيق هرمز لا يرفع أسعار الطاقة فحسب، بل يُضعف استقرار سلاسل الإمداد الغذائية والطاقة، ما يزيد الضبابية الاقتصادية ويضاعف الضغط خصوصاً على الدول النامية التي تعتمد على الاستيراد بشكلٍ كبير."
.jpg)
تهديد الإنتاج الزراعي والتضخم
وتتجاوز تداعيات هذه الاضطرابات حدود النقل لتصل مباشرةً إلى الإنتاج الزراعي، إذ تشير بيانات "UNCTAD" إلى أن نحو 1.33 مليون طن من الأسمدة تُصدر شهرياً عبر مضيق هرمز، وأي توقفٍ طويل سيؤثر على إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والرز.
ويوضح أن "نقص الأسمدة سيزيد تكلفة إنتاج الغذاء، ما يرفع التضخم الغذائي في الأسواق النامية بشكلٍ كبير ويزيد الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود، ما يضاعف المخاطر الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول".
التوقعات المستقبلية
ومع انتقال هذه الضغوط من الإنتاج إلى الأسعار، يبرز أثرها المباشر على معدلات التضخم الغذائي، إذ يشير خبراء لـ "النهار" إلى أنه في ظل الاضطرابات الحالية في سلاسل الإمداد وارتفاع أكلاف الطاقة، من المرجح أن تشهد الأسواق النامية تصاعداً في التضخم الغذائي خلال الأشهر المقبلة، قد يصل إلى نطاقٍ يراوح بين 15% و25%، أو أكثر في بعض الحالات، خصوصاً في الدول التي تعتمد بشكلٍ كبير على واردات الغذاء أو تواجه ضعفاً في احتياطياتها من النقد الأجنبي.
سيناريوات للأزمة
وبناء على المعطيات الحالية، يقدم الخبير الاقتصادي أحمد عادل في حديث الى "النهار"، ثلاثة سيناريوهاتٍ محتملة للأزمة على اقتصادات الدول النامية:
- السيناريو الأول - الاستقرار الجزئي (3–6 أشهر)
يتضمن فتح ممرات بديلة قد تحقق استقراراً محدوداً في الأسعار، مع تضخمٍ غذائي تدريجي يصل إلى 15% في الأسواق النامية، ما يمنح الحكومات فرصةً لوضع خطط دعمٍ موقتة.
- السيناريو الثاني - استمرار الاضطراب (6–9 أشهر)
يشهد ارتفاع التضخم الغذائي والطاقة بين 15–25%، مما يفرض تدخلاتٍ حكومية عاجلة لدعم الأسر الأكثر هشاشة.
- السيناريو الثالث - الأزمة الشاملة (9–12 شهراً)
توقف طويل يؤدي إلى أزمةٍ غذائية عالمية وتضخمٍ غذائي قد يتجاوز 25–35% في الأسواق النامية، مع تفاقم الفقر الغذائي وزيادة الضغوط على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ويؤكد عادل أن الدول النامية بحاجةٍ ماسة إلى خططٍ بديلة لتأمين الغذاء والطاقة، وإلا ستواجه صدماتٍ تضخمية مزدوجة تضاعف الضغوط على الأسر الفقيرة.
ختاماً، تُبرز التطورات أن حرب إيران لم تعد مجرد أزمةٍ إقليمية، بل أصبحت تهديداً عالمياً للأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الحيوية، مع انعكاساتٍ مباشرة على الأسواق النامية، وأي تقاعس عن توفير البدائل اللوجستية وحماية الإمدادات الغذائية سيؤدي إلى ارتفاعٍ حاد في التضخم، تفاقم الفقر الغذائي، وضغوطٍ اجتماعية وسياسية كبيرة.
نبض