الذهب في شهر الخسارة الكبرى: حين هزمت الفائدة الحرب

اقتصاد وأعمال 02-04-2026 | 15:30

الذهب في شهر الخسارة الكبرى: حين هزمت الفائدة الحرب

مع ارتفاع أسعار النفط، تبدلت حسابات المستثمرين بسرعة، وتراجعت رهانات خفض الفائدة الأميركية، وارتفع الدولار، ووجد الذهب نفسه في مواجهة معادلة أكثر قسوة من مجرد الخوف، معادلة العائد والفائدة والسيولة.
الذهب في شهر الخسارة الكبرى: حين هزمت الفائدة الحرب
الذهب سجل في شهر آذار/ خسارة كبرى (أ ف ب)
Smaller Bigger

 

لم يكن آذار/ مارس شهراً عادياً في سوق الذهب، في لحظة كان يفترض فيها أن يزداد بريق المعدن الأصفر مع اتساع الحرب في الشرق الأوسط، جاءت السوق لتقول شيئاً مختلفاً تماماً. الذهب، الذي طالما ارتبط اسمه بالخوف والملاذات الآمنة، وجد نفسه هذه المرة يتراجع بأسوأ أداء شهري له منذ تشرين الأول/أكتوبر 2008. لم تكن المشكلة في تراجع التوتر، بل على العكس، الحرب نفسها كانت هي التي ساهمت في إضعافه.

 

سبائك من الذهب (أ ف ب)
سبائك من الذهب (أ ف ب)

 

هذا التناقض الظاهري يختصر المشهد كله، فالأسواق لم تنظر إلى الحرب فقط بوصفها مصدراً للقلق الجيوسياسي، بل بوصفها صدمة طاقة مكتملة الأركان. ومع ارتفاع أسعار النفط، تبدلت حسابات المستثمرين بسرعة، وتراجعت رهانات خفض الفائدة الأميركية، وارتفع الدولار، ووجد الذهب نفسه في مواجهة معادلة أكثر قسوة من مجرد الخوف، معادلة العائد والفائدة والسيولة.

ورغم أن الأسعار ترتفع مع عودة الحديث عن احتمال تهدئة ما في الشرق الأوسط، بعدما أفادت تقارير بأن دونالد ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران حتى لو بقي مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير في هذه المرحلة، فإن هذا الارتداد لم يكن كافياً لتغيير صورة شهر كامل من الضغط.

حين لم تعد الحرب خبراً جيداً للذهب
لطالما كانت العلاقة بين الحروب والذهب شبه تلقائية. ترتفع المخاطر، يتراجع الإقبال على الأصول الخطرة، ويتدفق جزء من الأموال نحو المعدن الأصفر. لكن هذه القاعدة لا تعمل دائماً بالطريقة نفسها. ففي بعض اللحظات، لا تتحول الحرب إلى خوف فقط، بل إلى تضخم أيضاً. وهنا يتغير كل شيء.

ما جرى خلال آذار/ مارس كان مثالاً واضحاً على ذلك، فالحرب في الشرق الأوسط لم تنتج طلباً دفاعياً على الذهب فحسب، بل دفعت أيضاً بأسعار الطاقة إلى الأعلى، وأعادت التضخم إلى واجهة المشهد العالمي. ومع ارتفاع النفط، لم تعد السوق تسأل فقط: أين يذهب المستثمر حين يخاف؟ بل صارت تسأل أيضاً - هل ما زال مجلس الاحتياطي الفيدرالي قادراً على خفض الفائدة هذا العام؟ والجواب الذي بدأت الأسواق تبنيه تدريجياً كان سلبياً.

هنا بدأت الضغوط الحقيقية على الذهب، فهو أصل لا يدر عائداً، ويزدهر عادةً في بيئة تتراجع فيها أسعار الفائدة أو تهبط فيها العوائد الحقيقية. أما حين ترتفع أسعار الطاقة، ويتقوى الدولار، وتتآكل احتمالات خفض الفائدة، فإن جاذبية الذهب تبدأ بالتراجع حتى لو بقي التوتر السياسي مرتفعاً. وهذا بالضبط ما حدث خلال هذا الشهر، الحرب رفعت الخوف، نعم، لكنها رفعت معه أيضاً كلفة الاحتفاظ بالذهب.

النفط يكتب القصة من جديد
المعدن الأصفر لم يخسر معركته أمام الأسهم أو الأصول الخطرة، بل أمام النفط والدولار معاً.
فمع القفزة الكبيرة في أسعار الطاقة، بدأت الأسواق تعيد تسعير التضخم العالمي من جديد. النفط لم يعد مجرد متغير في خلفية المشهد، بل صار هو العنصر الذي يعيد تشكيله. وحين ترتفع أسعار الطاقة بهذه القوة، يصبح الحديث عن تيسير نقدي سريع أكثر صعوبة، خصوصاً في الولايات المتحدة، حيث لا يزال التضخم أعلى من المستوى المستهدف، وحيث يراقب الاحتياطي الفيدرالي بعناية أثر أي صدمة جديدة على الأسعار.
بهذا المعنى، لم يكن الذهب ضحية ضعف في صفته الدفاعية، بل ضحية تغير في نوعية الخطر. في البداية، كان المستثمرون يخشون الحرب. ثم سرعان ما أصبحوا يخشون شيئاً آخر يتولد من الحرب، تضخماً أعلى، وفائدة مرتفعة لفترة أطول، ودولاراً أكثر قوة. وعندما تنتقل السوق من الخوف الجيوسياسي إلى الخوف النقدي، يصبح الذهب أقل قدرة على الاحتفاظ بالدور نفسه الذي لعبه في مراحل سابقة.

باول لا يفتح الباب... بل يتركه موارباً فقط
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، "جيروم باول" قالها بوضوح: الاحتياطي الفيدرالي يستطيع أن ينتظر ويرى كيف ستؤثر الحرب في التضخم. هذه العبارة، على بساطتها، كانت كافية كي تفهم السوق الرسالة. الفيدرالي لا يرى نفسه مضطراً إلى التسرع، ولا يريد أن يمنح الأسواق إشارة مبكرة إلى خفض قريب، خصوصاً في ظل صدمة طاقة لم تتضح آثارها الكاملة بعد.

قبل اندلاع الحرب، كانت السوق تتحدث عن خفضين للفائدة هذا العام. أما الآن، فقد تراجعت هذه التوقعات بشدة، وبات المتعاملون يكادون يستبعدون تماماً أي خفض خلال 2026. هذا التبدل في التسعير كان العامل الأهم في تفسير ما جرى للذهب. ففي اللحظة التي بدأت فيها السوق تمحو سيناريو الخفض، فقد المعدن الأصفر واحداً من أهم دعائم قوته.

ولذلك، فإن تراجع الذهب في آذار /مارس هو عبارة عن إعادة تموضع كاملة في فهم السوق للعلاقة بين الحرب والسياسة النقدية. فالمستثمر لم يعد يرى في التوتر الإقليمي سبباً كافياً للاندفاع نحو الذهب إذا كان ذلك التوتر نفسه يعيد إشعال التضخم ويجعل الفيدرالي أكثر تشدداً.

الدولار... الملاذ الذي سرق الأضواء
في الأزمات الكبرى، قد يجتمع الذهب والدولار في الخانة نفسها، خانة الأمان. لكن حين تكون الولايات المتحدة في قلب المشهد النقدي، وحين ترتفع عوائدها وتتبخر احتمالات خفض الفائدة فيها، فإن الدولار يبدأ بالاستحواذ على الجزء الأكبر من هذا الدور، وهذا ما حدث فعلاً.

العملة الأميركية استفادت من المزيج الأكثر دعماً لها: توتر جيوسياسي من جهة، وارتفاع في أسعار الطاقة يعزز الحذر النقدي من جهة أخرى. ومع صعود الدولار، أصبحت السلع المسعرة به، ومنها الذهب، أكثر كلفة على حائزي العملات الأخرى. وهكذا، لم يعد الذهب ينافس فقط على صفة الملاذ، بل صار يواجه منافساً يوفر الأمان والسيولة والعائد معاً. وفي هذه المقارنة، كان من الطبيعي أن يتعرض لبعض الضغط.

هل خسر الذهب قصته الكبرى؟
رغم كل ذلك، لا تبدو القصة الطويلة للذهب قد انتهت، التراجع الشهري الحاد لا يلغي أن الأسعار لا تزال مرتفعة على أساس فصلي، ولا يلغي أيضاً أن مؤسسات كبيرة ما زالت ترى مجالاً لصعود أكبر في المدى الأبعد. غولدمان ساكس، مثلاً، لا يزال يتوقع وصول الذهب إلى 5400 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026، مستنداً إلى عاملين أساسيين، استمرار البنوك المركزية في تنويع احتياطاتها، واحتمال عودة التيسير النقدي الأميركي لاحقاً عندما تتراجع حدة الصدمة الحالية.

وهذا مهم جداً لفهم ما جرى، السوق لا تقول إن الذهب فقد مكانته نهائياً، بل تقول إن الطريق إلى الصعود لم يعد مستقيماً. فالذهب لا يتحرك فقط على وقع العناوين السياسية، بل على وقع تفسير الأسواق لهذه العناوين. وإذا كانت الحرب ستقود إلى ركود عالمي أو إلى هبوط لاحق في العوائد، فقد يعود الذهب إلى لعب دور أكثر قوة. أما إذا بقيت الحرب مصدراً لتضخم الطاقة وبقي الفيدرالي في موقع الانتظار، فإن الضغط عليه قد يستمر.

الذهب بين خوفين
في جوهر الأمر، كان آذار شهراً كشف أن الذهب يعيش اليوم بين خوفين لا خوف واحد.
الخوف الأول هو الخوف التقليدي من الحرب، وهذا يفترض أن يدعمه.
أما الخوف الثاني، فهو الخوف من أن تتحول الحرب إلى تضخم دائم نسبياً، وإلى فائدة مرتفعة لفترة أطول، وإلى دولار أكثر جاذبية. وهذا هو الخوف الذي ضغط عليه فعلياً.

لذلك، بدا المشهد هذا الشهر وكأن الذهب فقد درعه المعتاد. لم تعد صفة الملاذ الآمن وحدها تكفي. السوق أرادت شيئاً أكثر دقة: أرادت أن تعرف هل الحرب ستنتهي إلى تباطؤ اقتصادي يفرض خفض الفائدة لاحقاً، أم ستنتهي إلى تضخم يجبر الفيدرالي على التريث أكثر. وحتى الآن، تميل الكفة إلى الاحتمال الثاني، ولهذا كان الذهب يدفع الثمن.

في النهاية، لم يسقط الذهب لأنه لم يعد مهماً، بل لأنه اصطدم بواقع مالي أكثر تعقيداً من الرواية التقليدية. الحرب كانت حاضرة، والخوف كان حاضراً، لكن النفط كان أعلى صوتاً، والدولار كان أسرع استجابة، والفائدة كانت أكثر حسماً. وفي شهر كهذا، لم يكن الذهب هو من كتب المشهد. الذي كتبه فعلاً كان ذلك المزيج القاسي من النفط المرتفع، والفيدرالي الحذر، والأسواق التي قررت أن تؤجل حلم الخفض، وتترك المعدن الأصفر وحيداً في شهره الأصعب منذ أكثر من سبعة عشر عاماً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني