حيدر عبدالجبار البطاط
ليست الحضارات صدفة، بل هي نتاج الماء. فمنذ فجر التاريخ، لم تُبنَ أمة عظيمة بعيداً عن نهر أو بحر، ولم تزدهر حضارة من دون شريان حياة مائي يغذيها. حُسمت هذه الحقيقة منذ القدم، فالماء كان دائماً أساس الاستقرار والعمران والتجارة. ومن هذا الفهم العميق للتاريخ والجغرافيا والاقتصاد، وُلد مشروع قناة گِلگامش البحرية، ليس كمجرد فكرة هندسية، بل كمشروع تحوّل استراتيجي يعيد رسم موقع العراق على خريطة الاقتصاد العالمي.
العراق مركز العالم… رؤية المشروع
تم طرح فكرة قناة گِلگامش منذ عام 2009 عبر وسائل الإعلام واللقاءات الدولية، بعد نقاشات مع خبراء من الصين وروسيا أبدوا استعداداً واضحاً لتنفيذ المشروع وفق صيغ استثمارية أو عبر شركات مساهمة عالمية.
منذ ذلك الوقت، طرحت الفكرة نفسها مئات المرات عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، إيماناً بأن المشروع يمكن أن يغيّر مستقبل العراق الاقتصادي.
تقوم هذه الفكرة على شق قناة بحرية ملاحية عملاقة تمتد من سواحل البحر المتوسط قرب ميناء طرطوس إلى الخليج العربي في البصرة، مروراً بالصحراء العراقية بمحاذاة الحدود مع السعودية، وبذلك يتم تجاوز مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. وبحسب المشروع، القناة ليست مجرد ممر مائي، بل مشروع اقتصادي متكامل يمتد داخل العراق، وتكون أشبه بدولة اقتصادية داخل العراق.
لماذا قناة گِلگامش؟
ينطلق هذا المشروع من معادلة تحكم الاقتصاد العالمي اليوم: الوقت + الكلفة = السيطرة الاقتصادية.
فنحو 90% من التجارة العالمية تعتمد على النقل البحري، والشركات الكبرى تتجنب المسارات التي تتطلب تفريغاً وإعادة تحميل ونقلاً برياً معقداً. وللمقارنة، ناقلة بحرية واحدة تحمل نحو 23 ألف حاوية تحتاج إلى أكثر من 100 قطار أو أكثر من 1000 شاحنة لنقل حمولتها براً، ما يجعل الممر البحري المباشر أكثر كفاءة وأقل كلفة.
من هنا، تكم أهمية المشروع في توفير ممر بحري مباشر يختصر الوقت والكلفة، ويجعل العراق ممراً رئيسياً للتجارة العالمية. من هنا، شق قناة گِلگامش سيؤدي إلى اختصار المسافات بين شرق آسيا وأوروبا والأميركيتين، وإلغاء الحاجة إلى النقل البري المعقد، وتقليل زمن الشحن وكلفته، وفتح ممر آمن ومستقر بعيداً عن مضيق هرمز وباب المندب، ويمكنها أن تضعف الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس ومضيق هرمز.
اقتصاد يتفوق على النفط
تشير دراسات جدوى هذا المشروع إلى إمكانية فرض رسوم عبور تتراوح بين 500 ألف ومليوني دولار لكل سفينة. ومع عبور آلاف السفن سنوياً، يمكن تحقيق إيرادات بمئات مليارات الدولارات سنوياً، ما يجعل القناة مورداً دائماً غير ناضب وغير خاضع لتقلبات أسعار النفط، على عكس الاقتصاد الريعي القائم على النفط.
ويربط المشروع أيضاً بين القناة ومبادرة الحزام والطريق الصينية، إذ يمكن أن يشكل هذا المشروع الحلقة الذهبية لربط العراق بالمبادرة الصينية، ليصبح ممر التجارة الأول بين الشرق والغرب، ومركزاً صناعياً ولوجستياً عالمياً، وقلب الاقتصاد الجديد في المنطقة.
ولا يقتصر المشروع على القناة وحدها، بل يتضمن إنشاء مشاريع عمرانية واقتصادية ضخمة على ضفتيها: مدن صناعية عملاقة، ومجمعات سكنية حديثة بملايين الوحدات، وموانئ متطورة، وسكك حديد فائقة السرعة، ومصانع بتروكيمياويات ومعامل تحويلية، ومشاريع زراعية وسياحية، وجامعات ومستشفيات عالمية.
حل لأزمة المياه
من الجوانب التي يتناولها المشروع أيضاً أزمة المياه في العراق، إذ يشير إلى أن القناة يمكن أن تسهم في إنشاء محطات تحلية مياه البحر، ودعم المياه الجوفية، وإنشاء شبكات ري متطورة، والمساهمة في زيادة الرطوبة وربما الأمطار، وإطلاق ثورة بيئية.
ويطرح المشروع كذلك بعداً بيئياً، إذ يمكن القناة أن تؤدي دوراً في الحد من التصحر، وخفض درجات الحرارة، وزيادة الغطاء النباتي، والحد من العواصف الترابية، وخلق بيئة للثروة السمكية والطيور.
البعد الاستراتيجي
من الناحية الفنية، يقدَّر طول القناة بمئات الكيلومترات، بعرض يتراوح بين 200 و300 متر، وعمق يصل إلى نحو 22 متراً، فيما تُقدَّر الكلفة بنحو 60 مليار دولار، وهذا رقم متواضع مقارنة بمشاريع عالمية أخرى.
هذه القناة ستحقق مكاسب استراتيجية للعراق: تعزيز وحدة العراق جغرافياً واقتصادياً، وخلق ملايين فرص العمل، ورفع الاستقرار الأمني، ومنح العراق ثقلاً سياسياً واقتصادياً عالمياً.
قناة گِلگامش البحرية ليست مشروعاً خيالياً، بل رؤية لمستقبل العراق: بين أن يبقى ممراً هامشياً في التجارة العالمية أو يتحول إلى قلب الاقتصاد العالمي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية
نبض