التأمين في العالم العربي بعد صدمة حرب إيران.. قفزات قياسية تخطت الـ 1000%
تدخل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الخامس. وخلال هذه الفترة، كان قطاع التأمين على المخاطر، خصوصاً البحرية، هو الخاسر الأكبر، إذ ارتفعت أقساط بعض الحالات بأكثر من 1000%؛ وكان التأثير الأكبر على التأمين البحري ثم الطيران ثم الممتلكات، بينما ظلّ الأثر المباشر على كثير من شركات التأمين العربية التقليدية أقلّ حدّة، لأن معظم الوثائق القياسية تستبعد الحرب.
وتستعرض "النهار" آثار الحرب الإيرانية على قطاع التأمين العربي، على مدار أكثر من شهر، وكيف تأثر قطاع التأمين بالمخاطر، وتأثير الحرب في تكلفة التأمين، وكيف تعاملت شركات التأمين وشركات إعادة التأمين مع الوضع الجديد؟
نشرت وكالة ساندرد آند بورز للتصنيف الائتماني تقريراً لها، تقول فيه إن شركات الخليج المصنفة ما زالت قادرة على امتصاص زيادة التقلبات وأي مطالبات مرتبطة بالحرب، لأن هذه الأخطار "إما مستبعدة أو معاد تأمينها بكثافة". لكنها في الوقت نفسه تتوقع تباطؤ نمو الإيرادات في معظم أسواق التأمين الخليجية في 2026 بعد سنوات من النمو المزدوج الرقم.
التأمين البحري هو الأكثر تضرراً
في 2 آذار (مارس)، قالت رويترز إن 150 سفينة عالقة حول مضيق هرمز بعد اتساع الحرب، ثم رفعت تقديرها في 4 آذار (مارس) إلى ما لا يقلّ عن 200 سفينة على مرسى مفتوح قرب سواحل العراق والسعودية وقطر.
وبحلول 30 آذار (مارس)، قالت إس آند بي غلوبال إن 40 ناقلة من فئة (LR) بقيت عالقة في الخليج. وتفسّر هذه الأرقام لماذا أصبح تسعير الخطر البحري يومياً تقريباً، ولم يعد تسعيراً سنوياً عادياً.
وذكرت رويترز في 6 آذار (مارس) أن أقساط مخاطر الحرب البحرية قفزت في بعض الحالات بأكثر من 1000%. وفي نفس التغطية، أوضحت بأن معدل تأمين حرب على ناقلة قياسية ارتفع إلى نحو 3% من قيمة الهيكل، مقابل نحو 0.25% قبل الحرب؛ وعلى ناقلة قيمتها ما بين 200 و300 مليون دولار فهذا يعني قسطاً يقارب الـ7.5 ملايين دولار بدلاً من نحو 625 ألف دولار.
وأوضحت إس آند بي غلوبال في 30 آذار (مارس) بأن العلاوة الإضافية بلغت في ذروة آذار (مارس) نحو 2.5% لكل فترة 7 أيام، قبل أن تتراجع إلى قرابة 1%، لكنها بقيت أعلى بما يصل إلى 8 مرات من مستويات ما قبل الحرب البالغة نحو 0.1% إلى 0.15%. اختلاف الأرقام هنا طبيعي لأنه يعكس اختلاف نوع السفينة، توقيت التسعير، وشروط الرحلة.

ما الذي تغير في مسار التأمين على المخاطر؟
يقول الدكتور أسامة عقل، خبير النقل الدولي، لـ"النهار" إن السوق لم يُغلق، لكنه أصبح أضيق وأعلى كلفة وأكثر انتقائية، وقد شاهدنا أن التحول الأهم كان من "تغطية متاحة ضمن سوق واسعة" إلى "تغطية متاحة، لكن بشروط ضيّقة وسعر متقلّب". وشهدت سوق التأمين على المخاطر في 2 آذار (مارس) إعلان أندية وتعهدات بحرية مثل (Gard) و(Skuld) و(NorthStandard) و(London P&I Club) و(American Club) إلغاء أو استبعاد تغطيات الحرب في المياه الإيرانية والمياه المجاورة اعتباراً من 5 آذار (مارس)، ثم بعد أيام، أكد (Gallagher) أن سوق لندن ما زالت توفر الغطاء. وقالت جمعية سوق لويدز لاحقاً إن التأمين الحربي ما زال متاحاً، مع بقاء 88% من المشاركين لديهم شهية لاكتتاب المخاطر (hull war) الدولية، وأكثر من 90% لديهم شهية لاكتتاب الشحنات الدولية.
تأثير مُتباين على قطاع التأمين العربي
يقول عقل إن الدول العربية الواقعة على الخليج تحمّلت الأثر الأكبر، لأن المضيق هو شريانها البحريّ الأساسي، مشيراً إلى تقرير شركة وسيط إعادة التأمين الإنكليزية هاودن ري (Howden Re) عندما وصف الحدث بأنه "اختبار متعدّد الخطوط" لسوق التأمين وإعادة التأمين عبر البحري، الطاقة، الطيران، العنف السياسي، والائتمان التجاري في وقت واحد، وأن نطاق التأثير شمل العديد من البلدان العربية إلى جانب إيران وإسرائيل.
وعلق خبير النقل الدولي بأن "هذا مهم لأنه يعني أن الشركات العربية لم تتعرض فقط لزيادة المطالبات المحتملة، بل أيضاً لارتفاع كلفة إعادة التأمين، وارتفاع تكلفة شحن البضائع والطاقة التي تؤمّنها أو تموّلها".
هذا هو الخاسر الأكبر
يقول الخبير في الطيران وعضو الفريق البحثي لدى الاتحاد الدولي للطيران الجوي، دكتور سمير رؤوف، لـ"النهار"، إن قطاع التأمين لم يشهد خسائر جسيمة خلال فترة الحرب الإيرانية بل كانت الخسائر محدودة، والحوادث في المطارات العربية تكاد لا تذكر، بينما الخاسر الأكبر كانت شركات الطيران نفسها التي ألغت أو أجّلت العديد من الرحلات.
وأوضحت رويترز في تقرير لها بأن وثائق حرب الطيران تمنح شركات التأمين حقّ الإلغاء أيضاً. لكن حتى مطلع آذار (مارس) لم تكن هناك إشعارات إلغاء واسعة؛ والمشكلة الأهم كانت أن خسائر توقف التشغيل وتحويل المسارات وفقدان الإيرادات غالباً لا تغطيها الوثائق، لأن الحرب مستثناة من وثائق الأعمال التقليدية، ما يعني أن شركات الطيران تتحمل جزءاً كبيراً من الكلفة بنفسها؛ لذلك كان أثر الحرب على شركات الطيران العربية مزدوجاً (تكلفة تشغيلية أعلى مع حماية تأمينية لا تغطي كلّ الخسارة الاقتصادية).
قفزة في التأمين على العقارات
نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريراً يؤكد أن أسعار التأمين على بعض الأصول العقارية في الشرق الأوسط صعدت إلى 6%–8% من قيمة الأصل، بعد أن كانت أقلّ من 1% في أوقات الاستقرار؛ وهذا يفسّر لماذا عادت شركات وفنادق ومراكز تجارية عربية إلى شراء "غطاء حرب" منفصل أو إعادة التفاوض عليه، بعدما كانت تكتفي سابقاً بالتغطيات التأمينية ضد أعمال الشغب والإرهاب أو تستغني عنه كلياً.
دعم سيادي أميركي لشركات إعادة التأمين
أطلقت الولايات المتحدة عبر برنامج إعادة تأمين بحري (DFC) يصل إلى 20 مليار دولار على أساس متجدّد، لصالح تعويض شركات إعادة التأمين عن انكماش السعة، مع تركيز أوّليّ على هياكل السفن والشحنات. وتولّت شركة (Chubb) دور الشريك القائد.
ويعلّق خبير النقل الدوليّ على البرنامج الأميركي بأنه لو لم تكن هناك ضغوط حقيقية على السعة، لما احتاجت السوق إلى برنامج بهذا الحجم.
في المقابل، ترى شركة التصنيف الائتماني بيست كومباني (AM Best) أن الأثر الائتماني القصير الأجل على معيدي التأمين بقي محدوداً حتى الآن، في وقت تحذّر شركة وسيط إعادة التأمين الإنكليزية، هاودن ري (Howden Re)، من ضغوط تسعيرية على تجديدات منتصف العام؛ وهذا يعني أن معيدي التأمين لم يغادروا، لكنهم رفعوا الأسعار، أعادوا تقييم التركز، وفضّلوا المخاطر القصيرة والمُسعّرة رحلةً برحلة.
نبض