انتعاش هشّ على حافة التصعيد… وأسعار تتغيّر تحت ضغط النفط

اقتصاد وأعمال 02-04-2026 | 21:26

انتعاش هشّ على حافة التصعيد… وأسعار تتغيّر تحت ضغط النفط

الدكتور جلال قناص: أنّ المحرّك الأساسي للأسواق لم يعد البيانات الاقتصادية وحدها، بل ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد التوقعات". فالأسواق المالية باتت شديدة الحساسية تجاه التصريحات السياسية والتوجّهات المستقبلية، حيث تُسعّر الاحتمالات قبل حدوثها.
انتعاش هشّ على حافة التصعيد… وأسعار تتغيّر تحت ضغط النفط
إنتعاش أسعار الذهب مع مؤشرات إنتهاء الحرب بعد أسبوعين (أ ف ب)
Smaller Bigger

تتكثّف المؤشرات على أن العالم لا يواجه أزمةً تقليدية في التضخم أو النمو، بل تحوّلاً أعمق تقوده الطاقة والملاذات الآمنة، وعلى رأسها النفط والذهب. عاودت أسعار الذهب الارتفاع، فلامست 4670 دولاراً للأونصة. عكس هذا الارتفاع قدرٍاً من التفاؤل الحذر بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكان إنهاء الحرب خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. ويُقرأ هذا التصريح في الأسواق كمؤشر إيجابي على اقتراب نهاية الأزمة، ما يعزّز جاذبية الذهب كأداة تحوّطٍ تقليدية، دائماً ما يعود لها المستثمر.

 

تستمر أسعار الطاقة بالإرتفاع مع ترقب إنتهاء أزمة الطاقة في العالم (أ ف ب)
تستمر أسعار الطاقة بالإرتفاع مع ترقب إنتهاء أزمة الطاقة في العالم (أ ف ب)

 

من ضغط السيولة إلى عودة الملاذ الآمن
في حديثه مع النهار، يشير الدكتور جلال قناص، أستاذ الاقتصاد في جامعة قطر، إلى أنّ التراجع الذي سجّله الذهب في مراحل سابقة جاء نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، ما دفع المنتجين والمستثمرين والدول إلى البحث عن السيولة بالدولار لتمويل هذه التكاليف، الأمر الذي أدّى إلى عمليات بيعٍ للذهب، بما في ذلك من قبل بعض البنوك المركزية. لكن مع تصريحات دونالد ترامب بأنه سيوقف الحرب، تبدّلت التوقعات واحتمالات تراجع أسعار الطاقة، عادت التدفقات الاستثمارية إلى الذهب، في انعكاسٍ سريع لحساسية الأسواق تجاه أيّ إشارات سياسية.

في المقابل، تشهد أسعار النفط تقلّباتٍ حادّة نتيجة مخاوف اضطراب الإمدادات من جهة، وتباطؤ النمو العالمي من جهةٍ أخرى، ما يبقي الأسواق في حالة عدم استقرار وينعكس على تكاليف النقل والإنتاج. وقد استقرّ النفط عند نحو 106 دولارات للبرميل، ما يزيد الضغوط التضخمية ويعزّز مخاطر الركود التضخمي عالمياً. فأزمة الطاقة لا تُحلّ بالتوقعات، بل تحتاج إلى أسابيع أو أشهر للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب.

اقتصاد التوقعات... حين تسبق السياسة الأرقام
في هذا السياق، يلفت قناص إلى أنّ المحرّك الأساسي للأسواق لم يعد البيانات الاقتصادية وحدها، بل ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد التوقعات". فالأسواق المالية باتت شديدة الحساسية تجاه التصريحات السياسية والتوجّهات المستقبلية، حيث تُسعّر الاحتمالات قبل حدوثها. من هنا، تلعب تصريحات شخصيات مؤثرة مثل دونالد ترامب دوراً محورياً في توجيه قرارات المستثمرين، ما يفسّر التذبذبات الحادة التي تشهدها مختلف الأصول.

ويضيف، هذا التفاعل السريع لا يخلو من مخاطر، إذ إن تغليب العامل النفسي وتوقعات الأسواق على المعطيات الواقعية قد يؤدي إلى التقليل من تقدير المخاطر الحقيقية، ما يفتح المجال أمام أزماتٍ مالية محتملة في حال تبيّن لاحقاً أن التوقعات كانت مبالغاً فيها أو غير دقيقة.

بدأت تداعيات هذا الارتفاع بالظهور بوضوح على حياة المستهلكين حول العالم. فأسعار المحروقات ارتفعت بشكل ملحوظ، إذ تراوح تكلفة صفيحة البنزين بين 25 و30 دولاراً. كذلك، شهدت أسعار تذاكر الطيران ارتفاعاً حادّاً، فقفزت بعض الرحلات أخيراً بنسبة تصل إلى 560% نتيجة التوترات العالمية. وتراوح تكلفة الرحلات العادية بين 3000 و5000 دولار، فيما تتجاوز أسعار الدرجات الفاخرة 60 ألف دولار لدى بعض شركات الطيران. هذا الارتفاع لم يبقَ محصوراً بقطاع النقل، بل امتدّ إلى الغذاء والطبابة والخدمات والصناعات، أي إلى تفاصيل الحياة اليومية.

لا يمكن فصل هذه التحركات عن المشهد الاقتصادي الأشمل
في ألمانيا، أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى خفض توقعات النمو ورفع معدلات التضخم. أما في المملكة المتحدة، فإن ضعف النمو يجعل أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط عامل ضغطٍ مضاعف على القدرة الشرائية.

الولايات المتحدة: يترجم هذا الواقع في أداء الأسواق، حيث يعكس تراجع مؤشر S&P 500 قلق المستثمرين من استمرار التضخم وارتفاع الفوائد، في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرّة.

في آسيا: تتباين الصورة، إذ تستفيد كوريا الجنوبية من طفرة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بينما تعاني القطاعات الصناعية من ارتفاع تكلفة الطاقة. وفي الصين، يبقى تعافي سوق العقارات هشاً ومتأثراً بأسعار المواد الأولية، فيما تشكّل أسعار الطاقة في اليابان عاملاً ضاغطاً على السياسات النقدية.

توازن قلق بانتظار الحسم
في قراءته للمسار المقبل، يرى قناص أنّ الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة انتقالية تتسم بقدرٍ عالٍ من عدم اليقين، حيث يبقى اتجاه الأسواق رهناً بتطورات الحرب، واستقرار سلاسل الإمداد، ومسار التضخم، وقرارات السياسات النقدية. وبينما يستمرّ الاستقطاب السياسي، يبقى الميل نحو السيولة حاضراً، في مقابل تقلّباتٍ في الذهب، فيما يظلّ النفط رهينة تطورات الإمدادات، ولا سيما ما يتّصل بالممرات الحيوية كـمضيق هرمز، وتعافي الإنتاج في الاقتصادات الكبرى.

في المحصلة: بين الذهب الذي يتذبذب خوفاً حيناً، وعودة الاطمئنان حيناً آخر، والنفط الذي يتقلب قلقاً، يتحرّك الاقتصاد العالمي اليوم في مساحةٍ ضيقة بين الأمل والخطر. لم تعد الأسعار مجرّد أرقام في الأسواق، بل تحوّلت إلى مرآةٍ مباشرة للتوترات السياسية والاختلالات الاقتصادية.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني