أزمة إيران بين هرمز وباب المندب
لا يمكن النظر إلى التصعيد المرتبط بإيران على أنه حدث جيوسياسي معزول، بل يمثل عامل ضغط مركزي على النظام الاقتصادي العالمي. موقع إيران الاستراتيجي في معادلة الطاقة العالمية وتحكمها بالممرات البحرية الحيوية يجعل أي توتر في المنطقة ذو انعكاسات كبيرة. ما يميز هذه الأزمة ليس احتمال اندلاع صراع فقط، بل توقيتها أيضًا، إذ تأتي في ظل اقتصاد عالمي يعاني من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف التمويل، ما يجعل أي صدمة أسرع وأكثر حدة في تأثيرها.
أول قناة للتأثير هي سوق الطاقة كما رأينا، التي تتفاعل بشدة مع توقعات المخاطر بقدر اعتمادها على العرض والطلب الفعلي. في هذا الإطار، لا يشترط تعطل الإنتاج الإيراني فعليًا لارتفاع الأسعار؛ فمجرد تصاعد احتمالات اضطراب الإمدادات من إيران أو عبر مضيق هرمز يدفع الأسواق إلى تسعير "علاوة المخاطر"، ما قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة. هذه الديناميكية تفسر الحساسية المفرطة لأسعار النفط تجاه أي تطور سياسي في المنطقة.
الأثر العميق لا يقتصر على النفط وحده، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية. ارتفاع أسعار الوقود يزيد تكاليف النقل البحري والبري، ما يترجم إلى تضخم مستورد يؤثر على اقتصادات متعددة، خاصة تلك المعتمدة على الاستيراد. ومع وجود اختناقات محتملة في ممرات مثل باب المندب، تتضاعف المشكلة ليس من حيث التكلفة فقط، بل أيضًا من حيث الزمن وعدم اليقين، وهو ما يربك الشركات أكثر من ارتفاع الأسعار نفسه. تهديد الممرات البحرية قد يؤدي إلى تحول هيكلي في التجارة العالمية إذا طال أمد الأزمة. شركات الشحن قد تضطر لإعادة توجيه مساراتها عبر طرق أطول وأكثر تكلفة، ما يعيد تشكيل سلاسل التوريد ويجعل الشركات تعيد تقييم استراتيجيات الكفاءة القصوى لصالح نماذج أكثر مرونة لكنها أعلى تكلفة.
على مستوى الاقتصادات الكبرى، يختلف التأثير من حيث الدرجة لا من حيث الاتجاه. الاقتصادات المتقدمة تواجه تضخمًا مدفوعًا بالطاقة وبطء في النمو، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة بين التشديد النقدي ودعم النمو. أما الأسواق الناشئة، فهي تواجه صدمة مزدوجة تتمثل في ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع تدفقات رؤوس الأموال، ما يزيد الضغوط على العملات والميزانيات.
قد تبدو إيران مستفيدة على المدى القصير من ارتفاع الأسعار، إلا أن هذا الاستفادة نسبية. فالمكاسب قد تتآكل إذا تحولت الأزمة إلى صراع واسع يهدد البنية التحتية أو يؤدي إلى قيود على الصادرات. الاستفادة الحقيقية مرتبطة بقدرة إيران على البقاء ضمن "منطقة توتر مرتفع دون انفجار"، وهو توازن هش وصعب الحفاظ عليه.
في تعاملات اليوم الجمعة 27 مارس، شهدت أسعار النفط حالة من التذبذب الحذر، مع استقرار نسبي بعد موجة ارتفاعات قوية مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية. تم تداول خام برنت حول مستويات 102 دولار للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط حول مستويات تحوم عند 90 دولارًا للبرميل، في نطاق يعكس استمرار "علاوة المخاطر".
تشير التحذيرات الأميركية إلى تصاعد خطر التهديدات في مضيق باب المندب، مع احتمالات استهداف السفن التجارية من جماعات مدعومة من إيران. هذا الممر لا يُعد مجرد ممر إقليمي، بل يمثل نقطة اختناق حيوية في الاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره كميات كبيرة من تجارة النفط والسلع بين آسيا وأوروبا. أي اضطراب هنا لن يقتصر على الملاحة، بل سيمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية عبر ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأخير الشحنات. تزامن التهديد في باب المندب مع التوترات في هرمز يزيد احتمال حدوث صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة، ما يعزز الضغوط التضخمية عالميًا.
اما الان، فالخطر الحقيقي يكمن في طبيعة الصدمة المتشابكة. التصعيد مع إيران يمثل نموذجًا لصدمات القرن الحادي والعشرين: سريعة الانتشار، متعددة القنوات، وتضرب الطاقة والتجارة والثقة في وقت واحد. في عالم مترابط أكثر من أي وقت مضى، قد يكون أثر أي اضطراب في هذه المنطقة أكبر بكثير من حدوده الجغرافية.
اسيل العرنكي هي مديرة قسم الابحاث و التحليل بشركة RiverPrime
نبض