حرب إيران ترفع الأسعار الاستهلاكية في العراق
مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت الأسواق العراقية تشهد موجة اضطراباتٍ اقتصاديةٍ واضحة، انعكست على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما أثار مخاوف شعبيةً متزايدةً من دخول البلاد مرحلةً جديدةً من الضغوط المعيشية وارتفاع تكلفة الحياة اليومية، خصوصاً لدى الشرائح ذات الدخل المحدود.
فالعراق يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الاستيراد الخارجي لتأمين احتياجاته الاستهلاكية، ويعدّ من أكثر الدول تأثراً بأي توترٍ إقليميٍّ يمسّ طرق التجارة أو الدول المصدرة للسلع إليه، وفي مقدمها إيران التي تمثل شريكاً تجارياً أساسياً للسوق العراقية بقيمة تبادلٍ غير نفطي تقدر بنحو 20 مليار دولار سنوياً، تشمل مواد غذائيةً ومنتجاتٍ زراعية وصناعية وكهربائية متنوعة.
مع دخول الحرب شهرها الثاني، بدأت مظاهر القلق الاقتصادي تظهر بوضوحٍ في الأسواق الشعبية ومراكز البيع بالجملة. إتجه المواطنون إلى تخزين المواد الأساسية مثل الرز والزيوت والسكر والطحين والبقوليات، تحسباً لأي نقصٍ محتملٍ أو زياداتٍ إضافيةٍ في الأسعار، ما ساهم في زيادة الضغط على العرض وخلق موجةً تضخميةً متسارعة.

لقد تحولت الحرب سريعاً إلى أزمةٍ اقتصاديةٍ داخليةٍ تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، ما يضع الحكومة أمام تحدٍّ مزدوجٍ يتمثل في حماية الاستقرار الاقتصادي وضبط الأسواق من جهة، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية ومنع حدوث أزمةٍ معيشيةٍ أوسعٍ من جهة أخرى، في ظلّ اقتصادٍ شديد الارتباط بالتقلبات الإقليمية والدولية.
يقول عضو مجلس محافظة بغداد نجم العامري لـ"النهار": "هناك ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية داخل الأسواق العراقية في الفترة الأخيرة، وهذا يمثل انعكاساً مباشراً للتطورات العسكرية التي تشهدها المنطقة، والتي أثرت بشكلٍ واضح على حركة التجارة وسلاسل التوريد التي يعتمد عليها العراق".
ويضيف: "ما تشهده الأسواق حالياً من ارتفاعاتٍ متسارعةٍ في أسعار بعض السلع لا تبرره العوامل الخارجية وحدها، فثمة مؤشرات على استغلال بعض التجار الظروف الإقليمية لرفع الأسعار بصورةٍ مبالغٍ فيها، وهذا مرفوض، يتطلب تدخلاً رقابياً حازماً لحماية المواطنين".
ويشير الى أن مجلس محافظة بغداد يتابع بشكلٍ يومي حركة الأسواق بالتنسيق مع الجهات التنفيذية المختصة، داعياً وزارتي التجارة والداخلية والأجهزة الرقابية الى تكثيف الجولات الميدانية وتشديد إجراءات ضبط الأسعار ومنع الاحتكار والتلاعب بقوت المواطنين، خصوصاً في ظل ظروفٍ اقتصاديةٍ صعبةٍ يواجهها أصحاب الدخل المحدود. فالمواطن البسيط يجب ألاّ يكون ضحيةً للأزمات السياسية أو للمضاربات التجارية، ومن الضروري اتخاذ إجراءاتٍ عاجلةٍ تشمل مراقبة المخازن التجارية، ومتابعة أسعار الجملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في رفع الأسعار من دون مبررٍ اقتصاديٍ حقيقي. كما يجب وضع خطة طوارئ اقتصاديةٍ موقتةٍ لضمان استقرار السوق، بتنويع مصادر الاستيراد، ودعم مفردات البطاقة التموينية، وتأمين خزينٍ استراتيجيٍ كافٍ من المواد الأساسية لتجنب أي نقصٍ محتملٍ خلال الفترة المقبلة".

من جهته، يقول الخبير في الشؤون الاقتصادية رشيد السعدي لـ"النهار" إن الارتفاع المتسارع في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية داخل الأسواق العراقية، مؤشر خطير على هشاشة البنية الاقتصادية المحلية وضعف أدوات الرقابة الحكومية على السوق، "فهذه الحرب كشفت حجم الاعتماد المفرط للاقتصاد العراقي على الاستيراد الخارجي، خصوصاً من إيران، وهو اعتماد جعل السوق المحلية رهينةً لأي توترٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ خارج الحدود، وأي خللٍ في خطوط الإمداد يتحول فوراً إلى أزمةٍ معيشيةٍ داخل العراق بسبب غياب الإنتاج المحلي القادر على تعويض النقص".
ويؤكد أن الزيادات الحالية في الأسعار "لا يمكن تبريرها بالكامل بارتفاع أكلاف النقل أو الاستيراد، لأن جزءاً كبيراً منها ناتج من المضاربة التجارية واحتكار السلع وتخزينها بهدف تحقيق أرباحٍ سريعةٍ على حساب المواطن، وما يحدث في بعض الأسواق يقترب من الاستغلال الاقتصادي المنظم للأزمات".
وبحسبه، ضعف الرقابة السعرية وغياب سياسة تسعيرٍ واضحةٍ في الظروف الطارئة سمح بفوضى الأسواق، حيث تختلف أسعار السلعة الواحدة بين منطقة وأخرى بفوارق كبيرة، "واستمرار الوضع الحالي من دون تدخلٍ حكوميٍ صارمٍ قد يقود إلى موجة تضخمٍ أوسع تؤثر في قدرة المواطنين الشرائية، ولاسيما منهم أصحاب الدخل المحدود، فالرواتب ثابتة بينما الأسعار تتحرك بسرعة الأزمات، وهذه معادلة خطيرة تهدد الأمن الاجتماعي العراقي".
نبض