موجة غلاء جديدة تضرب موائد المصريين... كيف دفعت حرب إيران أسعار الغذاء والخبز إلى الصعود؟
في وقتٍ كانت فيه الأسواق المصرية تترقب استمرار مسار التهدئة التدريجية للتضخم، أعادت حرب إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز الضغوط بقوةٍ إلى ملف الأسعار، لتنتقل تداعياتها سريعاً من أسواق النفط العالمية إلى الداخل المصري.
ومع ارتفاع تكلفة الطاقة والشحن ومدخلات الإنتاج، بدأت موجة جديدة من الغلاء تضرب السلع الغذائية الأساسية، وفي مقدمها الخضار والدواجن والخبز، وسط مخاوفٍ من اتساع الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.
صدمة الوقود تنتقل إلى الأسواق
جاءت البداية مع قرار الحكومة المصرية رفع أسعار المحروقات 3 جنيهات لمختلف المشتقات البترولية بسبب الارتفاع العالمي في أسعار النفط نتيجة التوترات الإقليمية، ما انعكس سريعاً على أكلاف النقل والتوزيع وأسعار السلع الأساسية، ولاسيما منها المنتجات الزراعية والغذائية.
وخلال آذار/مارس 2026، سجلت الخضار زياداتٍ قياسية، تصدرتها الطماطم التي تجاوزت 200% في بعض الفترات من الشهر، إلى جانب صعود أسعار الخيار والباذنجان والبطاطس وغيرها، بينما ارتفعت أسعار الدواجن نحو 25% مع زيادة أسعار الأعلاف إلى نحو 25 ألف جنيه للطن، علماً أن الأعلاف تمثل نحو 70% من تكلفة إنتاج الدواجن والبيض واللحوم والألبان.
.jpg)
تضخم يتسارع والخبز تحت الرقابة
وتعززت هذه الضغوط مع بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي أظهرت تسارع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.4% في شباط/فبراير 2026، في مقابل 11.9% في كانون الثاني/ يناير، ما يعكس حساسية السوق المحلية لأي صدماتٍ خارجيةٍ مرتبطةٍ بالطاقة وسلاسل الإمداد.
ومع ارتفاع القلق من تأثير موجة الغلاء على الخبز، حددت وزارة التموين سقفاً سعرياً للخبز غير المدعم عند جنيهين للرغيف السياحي وزن 80 غراماً، مع أسعارٍ أقل للأوزان الأصغر، ويأتي هذا القرار في ظل اعتماد مصر على القمح المستورد لتغطية أكثر من 50% من احتياجات الاستهلاك، سواء للقطاع الخاص أو لبرنامج الخبز المدعم الذي يخدم نحو 69 مليون مواطن، فيما أكد وزير التموين المصري أن سعر الخبز المدعم لن يشهد أي زيادة.
الأسمدة تضيف ضغوطاً جديدة
تقول الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس لـ"النهار" إن تداعيات الحرب لم تعد محصورة بالنفط، بل امتدت لتشمل قطاع الأسمدة، أحد ركائز الأمن الغذائي العالمي، إذ حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن استمرار الاضطرابات قد يؤدي إلى أزمة غذاء، مع تأثيراتٍ تمتد من الطاقة والأسمدة إلى الإنتاج الزراعي والأسعار العالمية، خصوصاً مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية العالمية، فيما يوفر الخليج نحو 20% من صادراتها، ما يزيد تكلفة الزراعة والإنتاج الغذائي في الدول المستوردة، ومنها مصر.
.jpg)
تداعيات قوية
تؤكد رمسيس أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتداعيات حرب إيران وغلق مضيق هرمز انعكست على مختلف الأنشطة الاقتصادية في مصر، "وكان من الطبيعي أن تظهر سريعاً في أسعار السلع الغذائية والخبز السياحي والحاصلات الزراعية، خصوصاً مع زيادة تكلفة النقل وارتفاع أسعار الأسمدة."
وترى أن الارتفاعات الحالية مرشحة للاستمرار خلال الفترة المقبلة، إذا استمرت الحرب وتواصلت الضغوط على أسواق الطاقة والإمداد.
سيناريوهات مفتوحة وضغوط على النمو
واستكمالاً لذلك، قدر معهد التمويل الدولي أن كل زيادة بقيمة دولارٍ واحدٍ في أسعار النفط تمثل عبئاً إضافياً يراوح بين 4 و4.5 مليارات جنيه على الموازنة المصرية.
كما كشف رئيس مجلس الوزراء المصري أن فاتورة استيراد المنتجات البترولية والزيت الخام ارتفعت إلى 2.5 مليار دولار في آذار (مارس) في مقابل 1.2 مليار دولار في كانون الثاني (يناير)، مؤكداً أن الحكومة تضع سيناريوهات متعددة لتقليص حجم التداعيات، تشمل تفعيل العمل "أونلاين" الأحد من كل أسبوع ابتداءً من نيسان (إبريل)، تقليل 30% من مخصص الوقود للسيارات الحكومية والابطاء في المشروعات الكبرى الكثيفة الاستهلاك للسولار لمدة شهرين.
بالإضافة إلى تطبيق مواعيدٍ جديدةٍ لإغلاق المحلات والمولات والمطاعم والمقاهي الساعة 9 مساء لمدة شهر، وزيادةٍ مرتقبةٍ للحد الأدنى للأجور لتجاوز معدل التضخم، بعد أن بلغ حالياً 7000 جنيه شهرياً. كما أشار وزير التخطيط أحمد رستم إلى احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي إلى ما بين 4.9% و5.1% خلال العام المالي الحالي مقارنةً بالمستهدف 5.2%
في المحصلة، تواجه مصر موجةً تضخميةً جديدة تقودها صدمة الطاقة واضطرابات الشحن والأسمدة، فيما يظل مسار الأسعار مرهوناً بطول أمد الحرب وسرعة استقرار الأسواق العالمية.
نبض