2500 سفينة عالقة في البحر بسبب هرمز... من ينتظرها؟
لا يبدأ "أبو كريم" يومه بقراءة الأخبار أو متابعة أسعار الدولار، إنما يبدأه في هذه الأيام بفتح هاتفه على تطبيق تتبّع الشحنات البحرية. ينظر ملياً إلى الخريطة، ويبحث عن سفينة تحمل الحاوية فيها بضاعته المشحونة من شرق آسيا. النقطة الزرقاء ثابتةٌ في المكان نفسه منذ 20 يوماً، لا تتحرك.
يقول "أبو كريم" لـ"النهار": " كان يجب أن تصلني البضاعة من أسبوعين. دفعت ثمنها، واستدنت لأجلها، واستأجرت مستودعاً لأخزنها… واليوم لا البضاعة وصلت، ولا أنا أعرف متى ستصل، وإذا وصلت لا أعرف كم سأدفع أكلاف شحن إضافية، ولا أعرف كيف أحدّ من خسائري".
و"أبو كريم" ليس تاجراً كبيراً، إنما تاجر صغير يستورد الأدوات المنزلية. طلب شحنة قبل أشهر، حين كانت كلفة الشحن معقولة، والرحلة البحرية تستغرق نحو 10 أيام. اليوم، مر أكثر من 25 يوماً، والسفينة لم تصل بعد. وكل يوم تأخير إضافي يعني تكبده خسارة جديدة: "علي دفع بدل إيجار المستودع 1200 دولار، وعلي سداد ديوني وهي أكثر من 10 آلاف دولار لأنني اقترضت لدفع ثمن الشحنة، والموسم الذي كنت أريد البيع فيه يقترب من نهايته، وقد تمتلئ السوق ببضائع أخرى قبل أن تصل بضاعتي".
ويضيف: "ليست المشكلة أن البضاعة تأخرت، بل المشكلة أنني لا أستطيع أن أبيع، ولا أستطيع أن أشتري بضاعة جديدة، ولا أعرف كيف أسعّر عندما تصل البضاعة. فكل شيء معلق".

هذا الرجل ليس وحيداً في هذه المحنة، فآلاف أمثاله حول العالم. وليست المشكلة في سفينة واحدة أو في شحنة واحدة، بل في مشهد أكبر كثيراً: حتى منتصف آذار/مارس الجاري، يقدر أن ما بين 2000 إلى 2500 سفينة تجارية عالقة أو راسية أو تواجه تأخيرات كبيرة في محيط مضيق هرمز، بسبب التوترات الأمنية الإقليمية والحصارات البحرية الإيرانية، على متنها نحو 20,000 بحار. وقد انخفضت حركة الشحن عبر هذا الممر المائي بنسبة 95%..
ويشمل التراكم في المضيق نحو 178 ناقلة نفط خام، و137 سفينة حاويات، تمثل جزءاً كبيراً من التجارة العالمية. والجدير بالذكر أن مضيق هرمز يعتبر "مغلقاً فعلياً"، وقد تراجع العبور اليومي من أكثر من 100 ناقلة قبل التوترات إلى ناقلة أو اثنتين فقط. فوحدها السفن المرتبطة بإيران أو الصين أو روسيا لا تزال تبحر فيه.
وهكذا، عندما تتأخر السفن، لا تتأخر البضائع فقط، بل تتأخر الأسواق كلها. فالمتجر ينتظر البضاعة، والموزّع ينتظر المتجر، والمستهلك ينتظر المنتج، والأسعار ترتفع لأن كل يوم في البحر يكلّف مالاً إضافياً. ففي التجارة، القاعدة بسيطة: التأخير يساوي كلفة، والكلفة تساوي سعراً أعلى.
لهذا، عندما يخبرك "أبو كريم" خبراً عن سفن عالقة في البحر، قد يبدو الخبر بعيداً. لكن في الحقيقة، هذه السفن ليست بعيدة أبداً. إنها موجودة في سعر الجوال، وسعر الثلاجة، وسعر الحذاء، وسعر شطيرة اللحم التي تشتريه. والخبر ليس 2500 سفينة عالقة في المضيق، إنما خبر آلاف التجار الذين ينتظرون الفرج. فربما السؤال الحقيقي ليس كم سفينة عالقة في البحر؟ بل... كم شخص ينتظرها على اليابسة؟
نبض