أزمة الطاقة تفرض انتقال العالم من إدارة الإمدادات إلى إدارة سلوك المستهلكين
الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، بسبب التوترات في الشرق الأوسط، يُجبر الحكومات على تبنّي سياسات تقنين استهلاك الطاقة كخيار لم يعد قابلاً للتأجيل. وتبرز توصيات وكالة الطاقة الدولية كخريطة طريق عملية، تستهدف تغيير أنماط الاستهلاك اليومية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء، إذ إن الإجراءات المتعلقة بالعرض وحدها لن تكون كافية للتخفيف من "أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية".
وقد نصحت وكالة الطاقة الدولية، الدول الأعضاء، بما في ذلك أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، باتخاذ تدابير طارئة للحد من الطلب على النفط، في أعقاب الضربات العسكرية على إيران التي تسببت في اضطرابات في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية.
وجاءت التوصيات شاملة لمختلف الجوانب، بدءاً من العمل من المنزل لتخفيف استهلاك البنزين، إلى خفض السرعة على الطرقات السريعة بما لا يقل عن 10 كلم/ساعة، وتشجيع استخدام وسائل النقل العام، والمشاركة في السيارات، وتناوب دخول السيارات إلى الطرق في المدن الكبرى بحسب الأرقام، واستخدام الطهي الكهربائي بدلاً من المعتمد على الغاز المسال، والسفر عند الضرورة فقط، وتقليص النقل البري والجوي، ومساعدة المنشآت الصناعية على التحول بين المواد الأولية البتروكيماوية المختلفة لتوفير غاز البترول المسال.
وقد صدرت هذه الإجراءات في وقت يتزايد فيه القلق من عدم وجود أفق واضح للحل وغياب ضمانات استئناف مستقر لتجارة النفط، وغيرها من الشحنات، عبر مضيق هرمز.
وعلى مستوى الدول، ركزت الاستجابة الأولية لأستراليا لأزمة النفط على تدابير جانب العرض، والتي شملت تخفيف معايير الوقود، ومحاولة ضمان عدم انتشار السلوكيات المناهضة للمنافسة من قبل كبار تجار التجزئة للوقود.
وعلى المستوى الاستراتيجي، تتجه الدول إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتكنولوجيا البطاريات، إلى جانب إعادة إحياء مشاريع الطاقة النووية، بالتوازي مع استخدام الاحتياطيات النفطية الطارئة لتخفيف صدمة الأسعار.
وتعكس هذه الإجراءات تحولاً عالمياً واضحاً نحو إدارة الطلب على الطاقة، حيث لم يعد الحل محصوراً بزيادة الإنتاج، بل بإعادة صياغة سلوك الاستهلاك، عبر سياسات ملموسة بدأت بالفعل بالتطبيق في عدد من الدول.

وأدى ارتفاع المخاطر الجيوسياسية إلى إثارة القلق بين المتداولين، ما رفع أسعار خام برنت نحو 113 دولاراً للبرميل، وما زاد أيضاً بشكل حاد تكاليف المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات، الأمر الذي يؤثر مباشرة في النقل واللوجستيات والأسعار الاستهلاكية.
وعلى المستوى المالي، تسعى الدول إلى استخدام أدوات مالية لتخفيف الضغط عن المستهلكين، والحد من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود الذي قد يزيد الضغوط التضخمية. وإسبانيا تخطط لخفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود إلى 10% بدلاً من 21%، وفقاً لمصادر مطلعة، كما تعتزم إلغاء ضريبة بنسبة 5% على الكهرباء.
وفي السياق نفسه، خفّضت إيطاليا الرسوم المفروضة على الوقود يوم الأربعاء، فيما أعلنت وزارة المالية الألمانية أنها تدرس سبل حماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار، من بينها فرض ضريبة استثنائية على شركات النفط.
نبض