مضيق هرمز: الرابحون والخاسرون من إغلاقه
د.أيمن عمر (*)
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق يفصل بين إيران وعُمان، بل تحوّل مع اندلاع الحرب الأخيرة في الخليج إلى نقطة الاختناق الأهم في الاقتصاد العالمي، وقد أصبح اليوم مسرحًا لتعطّل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم. ومع إغلاق المضيق فعليًا أمام حركة ناقلات النفط، دخلت أسواق الطاقة مرحلة من الاضطراب الحاد، فقد قفزت أسعار النفط بسرعة نتيجة تراجع الإمدادات، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري، ليُعاد تشكّل ميزان الرابحين والخاسرين في الاقتصاد الدولي.
آسيا: الخاسرون الأوائل
الاقتصادات الآسيوية الصناعية الكبرى أول من يتأثر بصدمة إغلاق المضيق، نظرًا لاعتمادها الكبير على نفط الخليج.
- الصين: التي تستورد 6.5 إلى 7.5 مليون برميل يوميًا من النفط عبر المضيق، أي ما يقارب 40 إلى 45% من وارداتها النفطية. ومع تعطّل جزء كبير من هذه الإمدادات، سترتفع تكاليف الطاقة والإنتاج الصناعي وسينعكس ذلك ضغطًا على اقتصادها، وستسعى إلى البحث عن بدائل ولو بأسعار أغلى وجودة أقل. وتاليا في حال ارتفع السعر إلى 150 دولاراً، ستضطر الصين لدفع 560 مليون دولار إضافية يومياً (فارق السعر بين 70 و150 دولاراً) لتأمين نفس الكمية من النفط.

- الهند: تستورد الهند ما بين 4.5 إلى 5 مليون برميل يومياً عبر المضيق، أي حوالي 60% إلى 65% من احتياجاتها النفطية. يمثل النفط القادم من العراق والسعودية والإمارات الركيزة الأساسية لأمن الطاقة الهندي، فستواجه أيضاً ارتفاعاً حاداً في فاتورة الطاقة. هذا الارتفاع سينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات وعلى معدلات التضخم الداخلية.

- اليابان وكوريا الجنوبية: تعتمد اليابان على مضيق هرمز لتأمين حوالي 90% من احتياجاتها النفطية، وبحجم استيراد يومي يصل إلى 3.2 مليون برميل. أما كوريا الجنوبية فتستقبل عبر الممر نحو 2.8 مليون برميل يومياً، ما يغطي 75% من إجمالي وارداتها النفطية الخام. تعتبر اليابان الأكثر عرضة لمخاطر انقطاع الإمدادات بسبب اعتمادها شبه الكلي على المضيق. فارتفاع الفاتورة اليومية بمقدار 256 مليون دولار ينهك الاحتياطيات النقدية ويؤدي فوراً إلى زيادة تكاليف المعيشة. أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فإن زيادة التكلفة اليومية بمقدار 224 مليون دولار تضعف التنافسية السعرية للمنتجات الكورية.

اقتصاديًا، سيؤدى إغلاق المضيق إلى ما يُعرف بصدمة العرض في أسواق الطاقة الآسيوية، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج والنقل والشحن.
الخليج: كميات التصدير في مواجهة الأسعار
الدول المصدّرة للنفط في الخليج ليست بمنأى عن تداعيات الأزمة، رغم الارتفاع الكبير في الأسعار العالمية. فـالعراق، الذي يصدر حوالي ثلاثة ملايين برميل يوميًا عبر موانئ الخليج، يواجه تعطّلًا كبيرًا في تدفق صادراته بسبب إغلاق المضيق. كما أن الكويت تعتمد تقريبًا بشكل كامل على هذا الممر لتصدير نفطها، ما يجعل قدرتها التصديرية تتراجع بشكل ملحوظ. أما قطر، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، فستتأثرت صادراتها أيضًا، إذ تمر الغالبية الساحقة من شحنات الغاز عبر المضيق.

إن إغلاق مضيق هرمز لا يؤثر فقط على الإمدادات العالمية للنفط، بل يمثل صدمة مالية ضخمة لدول الخليج، تصل قيمتها اليومية إلى مليارات الدولارات، وهو ما يفسر حساسية المنطقة وأهمية استقرار هذا الممر الحيوي.

ومع أن بعض الدول تمتلك خطوط أنابيب بديلة جزئيًا، إلا أنها لا تستطيع تعويض كامل الكميات، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الصادرات يبقى معطّلًا رغم ارتفاع الأسعار.
الرابحون الجدد
تبرز أطراف رابحة من الأزمة، خاصة الدول المنتجة للنفط خارج الخليج، إذ مع ارتفاع أسعار النفط تستفيد دول مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والنرويج من ارتفاع عائداتها النفطية. كما تبرز روسيا بين المستفيدين من الأزمة، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة إيراداتها من صادرات النفط والغاز، كما تتجه بعض الدول المستوردة للطاقة إلى زيادة مشترياتها من النفط والغاز الروسي لتعويض جزء من النقص في الإمدادات القادمة من الخليج. وتحقق شركات النفط العالمية وشركات الشحن والتأمين البحري أرباحًا إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة كلفة النقل والتأمين في منطقة الخليج.
إيران: وخسائر لا تُعوّض
تمتلك إيران موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا على الضفة الشمالية للمضيق، لذلك كلفة إغلاق الممر الاقتصادية عليها مرتفعة جدا. فبناءً على حجم صادراتها الذي يبلغ قرابة 1.5 مليون برميل يومياً، فإن إغلاق المضيق سيكبد طهران خسارة مباشرة في تدفقاتها النقدية تقدر بـ 105 مليون دولار يومياً عند سعر برميل النفط بحدود 70 دولار (قبل الحرب)، إن هذا الانقطاع يعني نزيفاً مالياً يتجاوز 735 مليون دولار أسبوعياً و3.15 مليار دولار شهرياً من عائدات النفط الخام وحده، ما يجعل خيار إغلاق المضيق سيفاً ذو حدين؛ ففي حين يُستخدم كأداة ضغط سياسي، إلا أنه يمثل في الواقع شللاً مالياً ذاتياً يحرم الموازنة الإيرانية من أهم مواردها النقدية، ويضع استقرارها الاقتصادي في مواجهة مباشرة مع مخاطر توقف التجارة البحرية عبر موانئها الحيوية. إن هذه الخسائر تخص "النفط الخام" فقط، بينما تتضاعف الخسائر الاقتصادية الإيرانية عند احتساب توقف حركة الموانئ التجارية الكبرى وتجارة السلع والمنتجات البتروكيماوية. من هنا سيزداد الضغط على الريال الإيراني وترتفع تكاليف المعيشة والقدرة على تأمين السلع الضرورية للمواطنين.
الاقتصاد العالمي: الخاسر الأكبر
إن الاقتصاد العالمي كان الخاسر الأكبر من إغلاق المضيق، فارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والطاقة في معظم الاقتصادات، ما يتسبب بارتفاع معدلات التضخم عالميًا، خصوصًا في أوروبا والأسواق الناشئة. وقد تشهد الأسواق المالية تقلبات حادة نتيجة حالة عدم اليقين، وترتفع تكاليف الشحن والتأمين البحري، ما ينعكس بدوره على أسعار العديد من السلع غير النفطية. حتى أن الولايات المتحدة وأوروبا، اللتان أصبحتا أقل اعتمادًا مباشرًا على نفط الخليج، ليستا بمنأى عن التأثير، لأن سوق النفط عالمي ومترابط، وأي نقص كبير في الإمدادات ينعكس فورًا على الأسعار في جميع الأسواق.
ما حدث بعد إغلاق مضيق هرمز أعاد التأكيد على حقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي: أن هذا الممر يمثل عنق الزجاجة في منظومة الطاقة الدولية، لأنه عندما يتوقف تدفق النفط عبره، لا تتأثر منطقة واحدة فقط، بل يمتد الاضطراب إلى الاقتصاد العالمي بأسره. وفي عالم ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز لتشغيل اقتصاده، يبقى استقرار هذا المضيق أحد أهم شروط الاستقرار الاقتصادي العالمي، وأي تعطيل طويل فيه لا يعيد فقط توزيع الأرباح والخسائر بين الدول، بل يضع الاقتصاد الدولي ضغط الأزمات.
(*)مدير مركز إشراق للدراسات
نبض