إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة... "حرب الغاز" تصل إلى مصر!
في ظل التصعيد المتسارع للحرب الأميركية–الإيرانية، تعود أسواق الطاقة العالمية إلى دائرة القلق، بحيث تتقدم المخاوف على أمن الإمدادات، وخصوصاً عبر مضيق هرمز، على حساب توازنات العرض والطلب. وفي قلب هذه التحولات، تواجه مصر واحدةً من أعقد أزماتها الطاقوية في السنوات الأخيرة، مع اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد، خصوصاً في قطاع الكهرباء.
المفارقة أن دولةً بلغت صادراتها من منتجات الطاقة ومشتقاتها نحو 5.06 مليارات دولار في عام 2025، تجد نفسها اليوم في موقع المستورد. فبعد سنواتٍ من تصدير الغاز إلى إسرائيل ثم إلى أوروبا، انقلبت المعادلة تحت ضغط الاستهلاك المحلي المتنامي وتراجع الإنتاج. ويُقدَّر استهلاك مصر من الغاز الطبيعي بنحو 6.8 مليارات قدم مكعب يومياً، في مقابل إنتاج محلي يقارب 5 مليارات فقط، ما يكرّس عجزاً هيكلياً في السوق.
هذا التحول يرتبط جزئياً بتداعيات مرحلة ما بعد الحرب في أوكرانيا، حين استفادت القاهرة من حقل "ظهر" لتعزيز صادراتها إلى أوروبا عام 2022، في ظل أزمة الإمدادات هناك. إلا أن الاستخدام الكثيف للحقل أدى إلى تراجع إنتاجه من نحو 3 مليارات قدم مكعب يومياً إلى 1.9 مليار، ما دفع مصر إلى زيادة اعتمادها على واردات الغاز، وخصوصاً من إسرائيل، لتغطية الفجوة الداخلية والحفاظ على التزاماتها التصديرية.
غير أن هذه القناة نفسها تعرّضت لصدمةٍ إضافية. فقد أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر الشهر الماضي، مستندةً إلى بند "القوة القاهرة" في ظل التصعيد العسكري مع إيران، ما أدى إلى توقف تدفقاتٍ تُقدَّر بنحو 1.1 مليار قدمٍ مكعب يومياً. وجاء ذلك رغم ارتفاع واردات مصر من الغاز الإسرائيلي إلى نحو 344 مليار قدم مكعبٍ خلال السنة المالية 2025، مقارنةً بـ319 ملياراً في العام السابق، ما فاقم فجأةً أزمة الإمدادات.
أمام هذا الواقع، تحرّكت الحكومة المصرية على مساراتٍ متوازية لاحتواء الأزمة. على المدى القصير، فُعّلت سياسات ترشيد الاستهلاك عبر خطط تخفيف الأحمال، وتقليص إمدادات الغاز للمصانع الكثيفة الاستهلاك، وخفض الإنارة العامة، بهدف توجيه الموارد المحدودة نحو محطات الكهرباء وتفادي انقطاعاتٍ واسعة.
بالتوازي، عززت القاهرة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من خلال التعاقد على شحناتٍ إضافية في السوق الفورية، وأعادت تشغيل وحدات التغويز العائمة في مرافئ مثل "العين السخنة" لسد العجز السريع. كما لجأت إلى استخدام الوقود البديل، كالمازوت والديزل، لتشغيل بعض محطات التوليد رغم التكلفة المرتفعة التي يفرضها هذا الخيار.
أما على المستوى المالي والاستثماري، فسارعت الدولة إلى سداد مستحقات شركات الطاقة الأجنبية لتحفيزها على زيادة الإنتاج، بالتوازي مع طرح مزايداتٍ جديدة للتنقيب في البحر المتوسط، في محاولةٍ لمعالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بإدارتها.
وفي سياق تقليص الضغوط، أعلن مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري أن الحكومة تدرس تطبيق نظام العمل عن بُعد يوماً أو يومين أسبوعياً في الجهات غير الحيوية، بهدف خفض استهلاك الطاقة وتقليل التكلفة الاقتصادية، مع استثناء القطاعات الأساسية كالصناعة والطاقة والصحة والنقل. كما أُقرت حزمة إجراءاتٍ موقتة تبدأ في 28 آذار/ مارس، تشمل تقليص ساعات عمل وإغلاق المحال والمولات والمطاعم والكافيهات في تمام الساعة 9 مساءً، إطفاء الإعلانات على الطرق، خفض إنارة الشوارع، وإغلاق الحي الحكومي باكراً، إلى جانب التوسع في إنجاز الأعمال الإدارية من المنازل عند الحاجة.
في المحصلة، تعكس هذه الإجراءات إدارة أزمة متعددة المسار: تأمين الإمدادات، ضبط الاستهلاك، وتحفيز الإنتاج. إلا أن فعاليتها تبقى رهن مسار التطورات الجيوسياسية، بحيث لا تزال أسواق الطاقة أسيرة التوترات أكثر من خضوعها لقواعد السوق. وبينما تحاول القاهرة كسب الوقت عبر حلولٍ مرحلية، يبقى التحدي الأعمق في إعادة التوازن المستدام بين الإنتاج والاستهلاك، في بيئةٍ دولية شديدة التقلب.
نبض