قراءة في تحركات الذهب والبيتكوين منذ بدأت حرب إيران
في أوقات الحروب، لا تتحرك الأسواق فقط بدافع الخوف، بل بفعل توازن دقيق بين السيولة العالمية، أسعار الفائدة، والتوقعات الاقتصادية. خلال أول عشرين يوماً من اندلاع نزاع إقليمي كبير في عام 2026، برزت تحولات واضحة في سلوك المستثمرين، خصوصاً في تعاملهم مع الذهب و البيتكوين، وهما أصلان يُنظر إليهما تقليدياً بطرق مختلفة: الأول كملاذ آمن، والثاني كأصل رقمي عالي المخاطر.
مع بداية الحرب، تلقت الأسواق صدمة مزدوجة. حيث ارتفع النفط بأكثر من 50% خلال فترة قصيرة ليقترب من 120 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع ممكن ان تؤثر مباشرة على توقعات التضخم العالمي، التي قد ترتفع بنحو 1%، في حين سجّل الدولار الأميركي صعوداً يقارب 2.5% خلال أول عشرون يوماً. هذه العوامل مجتمعة شكّلت الإطار العام الذي تحركت ضمنه الأسواق.
في الأيام الأولى من الحرب، وتحديداً بين اليوم الأول والخامس، تصرف الذهب وفق القاعدة التقليدية، حيث سجل ارتفاعاً أولياً بنحو 1% في اليوم الأول نتيجة اندفاع المستثمرين نحو الأصول الآمنة. هذا الصعود كان مدفوعاً بحالة الذعر وعدم اليقين، إذ يسعى المستثمرون عادة إلى حماية رؤوس أموالهم عبر التحول إلى الذهب عند بداية الأزمات.
لكن هذا الاتجاه لم يستمر طويلاً. ابتداءً من اليوم الخامس وحتى اليوم العشرين، بدأ الذهب يفقد زخمه تدريجياً ويتجه نحو الانخفاض، حيث تراجع بنحو 3.1% خلال أول أسبوعين، ووصل إجمالي الهبوط إلى حوالي 7% من أعلى مستوياته في اليوم العشرين من الحرب. هذا التراجع لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة مباشرة لارتفاع الدولار الأميركي، وتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة بأسعار فائدة مرتفعة، إضافة إلى خفض بعض البنوك المركزية مشترياتها من الذهب، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد موجة الصعود السابقة.
بعد اجتماع الفيدرالي مساء الأربعاء ولهجته المتشددة التي أشارت إلى أن خفض الفائدة لن يحدث إلا مرة واحدة في 2025 ومرة واحدة في 2026، استمر الضغط على الذهب، حيث تحرك ضمن نطاق سعري يتراوح بين 4700 و4900 دولار للأونصة، بعد أن كان قد تجاوز مستوى 5000 دولار سابقاً. هذه المرحلة عكست حالة توازن مؤقت بين قوى الشراء والبيع، لينهي الذهب فترة العشرين يوماً بخسارة إجمالية تقديرية تبلغ حوالي 7%.
في المقابل، ارتفع البيتكوين خلال هذه الفترة نتيجة مجموعة عوامل مالية مترابطة، وليس لأنه أصبح ملاذاً آمناً بشكل كامل. في البداية، لعبت السيولة العالمية دوراً أساسياً، حيث إن أي زيادة بنحو 0.5% إلى 0.8% في السيولة انعكست بارتفاع يقارب 2% إلى 4% في سعره خلال أول أسبوعين.
كما ارتفع الطلب على التحوّط خارج النظام المالي، خاصة مع المخاوف من العقوبات والقيود، ما أدى إلى زيادة استخدام الشبكة بنسبة 10% إلى 18%. في الوقت نفسه، ساهم ضعف بعض العملات المحلية في مناطق التوتر في رفع الطلب على البيتكوين بنسبة وصلت إلى 15% في بعض الأسواق.
من جهة أخرى، دعمت التدفقات المؤسسية السعر، حيث دخلت سيولة عبر صناديق الاستثمار تُقدّر بين 300 و800 مليون دولار خلال نحو 20 يوماً. كذلك، فإن أكثر من 65% من المعروض بقي محتفظاً به دون بيع، ما قلل العرض في السوق وساهم في دعم الأسعار.
أخيراً، ساهمت المضاربة وارتفاع أحجام التداول بنسبة 25% إلى 40% في دفع السعر صعوداً، خصوصاً مع تصفية مراكز بيع كبيرة، حيث يمكن أن تؤدي تصفية مراكز بقيمة 1 مليار دولار إلى رفع السعر بنحو 2% إلى 3% بسرعة.
بالتالي، كان ارتفاع البيتكوين نتيجة مزيج من السيولة والطلب والمضاربة، وليس بسبب عامل واحد فقط.
تُظهر المقارنة بين الذهب والبيتكوين خلال هذه الفترة اختلافاً جوهرياً في طبيعة الاستجابة للأزمات. فالذهب تحرك كأصل تقليدي تحوطي، حيث سجل ارتفاعاً أولياً بنسبة 1% قبل أن يدخل في موجة تصحيح وصلت إلى حوالي 7% انخفاضاً تحت ضغط الدولار والسياسة النقدية. في المقابل، تحرك البيتكوين كأصل عالي الحساسية للسيولة، حيث استفاد من تدفقات نقدية ومضاربية أدت إلى دعم سعره رغم تقلباته، مدفوعاً بارتفاع الطلب على التحوط خارج النظام المالي، وبذلك لم يظهر كملاذ آمن تقليدي، بل كأصل يتفاعل بسرعة مع السيولة والمخاطرة.
الأهم من ذلك هو بروز الدولار كالرابح الأكبر خلال هذه الفترة. فبينما ارتفع بنحو 2.5%، تراجع الذهب بنحو 7%، ما يعكس تحولاً في تفضيلات المستثمرين نحو السيولة بدلاً من الأصول التقليدية. هذا التغير يشير إلى أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها القواعد القديمة كافية لفهم حركة الأصول.
في ضوء هذه المعطيات، تُظهر هذه العشرين يوماً أن إدارة المخاطر في أوقات الحروب أصبحت أكثر تعقيداً. لم يعد الذهب ضمانة مطلقة، ولم يتحول البيتكوين إلى ملاذ آمن، في حين أصبحت السيولة، ممثلة بالدولار، العامل الحاسم في القرارات الاستثمارية قصيرة الأجل.
نبض