في 20 يوماً من الحرب: أرقام ترسم التكلفة البشرية والاقتصادية

اقتصاد وأعمال 20-03-2026 | 06:20

في 20 يوماً من الحرب: أرقام ترسم التكلفة البشرية والاقتصادية

أكثر من ألف و300 قتيل في إيران، نحو 968 قتيل وأكثر من مليون نازح في لبنان، نفط فوق 108 دولارات، و17 إلى 20 مليون برميل تمر يومياً عبر هرمز تحت الخطر.
في 20 يوماً من الحرب: أرقام ترسم التكلفة البشرية والاقتصادية
مفاعل ديمونا في حيفا (أ ف ب).
Smaller Bigger

خلال أقل من ثلاثة أسابيع، أنتجت الحرب حصيلة رقمية كثيفة تختصر حجم التحول. في واحدة من أسرع موجات التصعيد في المنطقة خلال سنوات، تتكثف هذه الأرقام خلال أقل من ثلاثة أسابيع فقط، وهو معدل نادراً ما سُجّل في أزمات مماثلة.

حتى كتابة هذه السطور، قُتِل أكثر من ألف و300 شخص في إيران، أي بمعدل يقارب 60 إلى 65 قتيلاً يومياً، ونحو 968 في لبنان (أو أكثر من 900 بحسب تقديرات متقاطعة)، و14 في إسرائيل، إضافة إلى 13 جندياً أميركياً ومئات الجرحى.

في لبنان وحده، تجاوز عدد النازحين مليون شخص، بينهم نحو 350 ألف طفل. وخلال نحو أسبوعين فقط، قُتِل 111 طفلاً وأُصيب 334، أي ما يعادل في المتوسط فصلاً دراسياً كاملاً يومياً بين قتيل وجريح، في مؤشر إلى حجم التكلفة الإنسانية المتسارعة.

لكن التكلفة لم تبقَ بشرية فقط. في سوق الطاقة، تجاوز سعر خام برنت 108 دولارات للبرميل (أو نحو 108.5 دولارات في بعض التداولات)، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل الحرب، أي بزيادة تقارب 50 في المئة خلال أسابيع. وتشير تقديرات في الأسواق إلى اضطراب قد يعادل ما بين سبعة و10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات الشرق أوسطية. ولا يقتصر الأثر على النفط، بل يمتد إلى أسواق الغاز الطبيعي التي تبقى شديدة الحساسية لأي اضطراب في المنطقة.

يمر عبر مضيق هرمز ما بين 17 و20 مليون برميل يومياً، أي نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز المسال عالمياً، فيما تعتمد التجارة الدولية في شكل أساسي على النقل البحري الذي يشكّل نحو 80 إلى 90 في المئة من حجم التجارة العالمية. وبين 1 و15 آذار (مارس)، عبرت هرمز نحو 90 سفينة، بينها 16 ناقلة نفط، في مؤشر إلى أن الملاحة لم تتوقف، لكنها أصبحت تجري تحت مستوى مرتفع من المخاطر.

وقد انعكس ذلك على تكلفة الشحن والتأمين البحري التي ازدادت في شكل ملحوظ مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالمنطقة، من دون أن يؤدي ذلك إلى توقف كامل في حركة التجارة، ما يهدد باضطراب سلاسل الإمداد العالمية من الصناعات الثقيلة إلى السلع الاستهلاكية.

في الأسواق المالية، بدت الصورة أكثر تعقيداً، لكن الأهم هو سرعة التفاعل. خلال أيام قليلة فقط، التقطت الأسواق إشارات التصعيد. ارتفعت أسعار صرف الدولار، في حين تراجعت مؤشرات الأسهم تحت ضغط تزايد أسعار الطاقة وتصاعد المخاطر.

وفي أوروبا، انخفض مؤشر "ستوكس 600" بنسبة 0.70 في المئة إلى نحو 598 نقطة، بينما تراجعت المؤشرات الأميركية الرئيسية بما بين 0.7 في المئة وواحد في المئة في تداولات لاحقة، في حين تكبّد الذهب خسائر بنحو 2.6 في المئة، في مفارقة تعكس قوة الدولار وضغط توقعات التضخم.

بهذا المعنى، لم تعد الحرب تؤثر في سوق واحدة، بل في أربعة أسواق رئيسية في آن: الطاقة، والأسهم، والعملات، والمعادن، في تطور يضاعف من أثرها الاقتصادي.

في موازاة ذلك، بدأت التكلفة الاقتصادية المباشرة تظهر بوضوح، وإن بقيت صعبة القياس بدقة. في لبنان، يعني نزوح أكثر من مليون شخص تعطلاً واسعاً في النشاط الاقتصادي، من التجارة إلى الخدمات، في اقتصاد يعاني أصلاً من أزمة عميقة. وفي إسرائيل، تشير المعطيات إلى ارتفاع تكلفة العمليات العسكرية اليومية وتعطّل جزئي في قطاعات إنتاجية. أما إيران، فتواجه ضغوطاً مركبة تشمل استهداف منشآت، وتوترات في قطاع الطاقة، وتكلفة إعادة التموضع الأمني والعسكري.

وفي غياب رقم نهائي جامع، توحي مؤشرات الطاقة والشحن والنزوح والإنفاق العسكري – ناهيك عن الأضرار المادية في البلدان المستهدفة بالهجمات – بتكلفة اقتصادية تتسع بسرعة، ومرشحة إلى قفزات حادة إذا استمر التصعيد العسكري.

هذه الأرقام، مجتمعة، تكشف أن الحرب لا تدور فقط بين جيوش، بل تضرب خمسة أنظمة رئيسية في آن واحد: البشر، والطاقة، والملاحة، والأسواق، والعملات.

لكن الأرقام لا تصف فقط ما حدث، بل تشير أيضاً إلى ما قد يحدث. كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط قد ترفع معدلات التضخم العالمية بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية، ما يعني أن استمرار الأسعار المرتفعة سيزيد الضغوط التضخمية عالمياً، ويرفع تكلفة النقل والغذاء والطاقة، وهو ما ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء في العديد من البلدان.

هذا يعني عملياً أن تكلفة هذه الحرب لا تتوقف عند حدودها الجغرافية، بل تمتد إلى حياة مليارات البشر عبر أسعار الطاقة والسلع الأساسية.

وفي مقابل هذا التصعيد الاقتصادي، تبدو الدبلوماسية عاجزة عن اللحاق. عدد المبادرات المطروحة لا يقابله تقدم ملموس، ما يترك الأسواق في حالة ترقّب، ويزيد من تكلفة عدم اليقين.

والأهم أن هذه الأرقام لا تبدو في طور الاستقرار، بل في مسار تصاعدي حتى الآن، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تكلفة إذا استمر التصعيد.

ومع ذلك، تبقى الأرقام عاجزة عن الإجابة عن الأسئلة الأهم: هل تبقى هذه التكلفة الاقتصادية من ضمن حدود يمكن احتواؤها؟ أم تتحول إلى أزمة أوسع؟ وهل تصبح الأسواق عامل ضغط نحو التهدئة، أم عاملاً إضافياً في تعقيد الصراع؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع فقط، يمكن تعداد القتلى، والنازحين، والبراميل، والسفن، وتقلبات الأسواق. لكن ما لا يمكن عدّه بعد هو حجم التحول الاقتصادي الذي بدأ يتشكل. الحرب التي بدأت كضربة عسكرية، تتحول تدريجياً إلى اختبار لقدرة الاقتصادات – الإقليمية والعالمية – على تحمّل صدمة متعددة الأبعاد.

وفي هذا المعنى، قد لا تكون الأسابيع الثلاثة الأولى سوى بداية تكلفة لم تُحسَب بالكامل بعد.

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
العالم العربي 3/19/2026 6:55:00 PM
6 لبنانيين في لائحة "فوربس" لأثرياء العالم 2026… والثروات العالمية تقفز إلى 20.1 تريليون دولار
الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.