أسبوع البنوك المركزية تحت صدمة هرمز: هل أوقف النفط ساعة خفض الفائدة؟

اقتصاد وأعمال 17-03-2026 | 10:06

أسبوع البنوك المركزية تحت صدمة هرمز: هل أوقف النفط ساعة خفض الفائدة؟

تدخل الأسواق واحداً من أكثر الأسابيع حساسية منذ بداية العام، مع اجتماعات سبعة من أبرز البنوك المركزية في العالم، من الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى بنك اليابان، وبنك إنجلترا، والبنك المركزي الأوروبي، والاحتياطي الأسترالي، والبنك الوطني السويسري، وبنك كندا.
أسبوع البنوك المركزية تحت صدمة هرمز: هل أوقف النفط ساعة خفض الفائدة؟
البنك المركزي الأميركي (أ ف ب)
Smaller Bigger


لم يعد السؤال هذا الأسبوع: من سيبدأ خفض الفائدة أولاً؟ السؤال الحقيقي أصبح أكثر قسوة؛ هل تستطيع البنوك المركزية أصلاً أن تتحدث عن خفض الفائدة فيما يقف النفط على فوهة الحرب، ومضيق هرمز في قلب المعادلة، والتضخم مهدداً بالعودة من الباب الذي ظن الجميع أنه أُغلق؟

تدخل الأسواق واحداً من أكثر الأسابيع حساسية منذ بداية العام، مع اجتماعات سبعة من أبرز البنوك المركزية في العالم، من الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى بنك اليابان، وبنك إنجلترا، والبنك المركزي الأوروبي، والاحتياطي الأسترالي، والبنك الوطني السويسري، وبنك كندا. لكن هذه الاجتماعات لا تنعقد في بيئة نقدية هادئة، بل تحت صدمة جيوسياسية حادة قلبت تسعير الأسواق في أيام قليلة، بعدما أدى تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى دفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، بعد أن كان دون 60 دولاراً في مطلع العام.

 

البنك المركزي الياباني (أ ف ب)
البنك المركزي الياباني (أ ف ب)

 

النفط يقتحم اجتماعات السياسة النقدية
قبل الحرب، كانت الأسواق تتحرك على إيقاع مختلف تماماً. كانت الرهانات تدور حول استمرار دورة التيسير النقدي لعديد البنوك، وحول عدد الخفوض المحتملة هذا العام، بعدما بدأت ضغوط التضخم تتباطأ تدريجياً في أكثر من اقتصاد رئيسي. لكن صدمة هرمز بدلت المشهد بسرعة شديدة. لم تعد المشكلة في أن النمو يتباطأ فقط، بل في أن الطاقة عادت لتضخ موجة تضخمية جديدة في لحظة لا تزال فيها الاقتصادات الكبرى متعبة، والمالية العامة أكثر هشاشة، وثقة المستثمرين أكثر حساسية تجاه أي خطأ في التقدير. لهذا السبب، بدأت الأسواق تقلص رهاناتها على خفض الفائدة، وارتفعت العوائد، وتغيرت تسعيرات العملات، وباتت بعض السيناريوات تتحدث مجدداً عن احتمال عودة التشديد في بعض الاقتصادات إذا طال أمد الصدمة. 

المعضلة هنا ليست جديدة من حيث المبدأ، لكنها أكثر تعقيداً هذه المرة. البنوك المركزية تعرف جيداً أن رفع الفائدة لا يفتح مضيق هرمز، ولا يحرر ناقلات النفط العالقة، ولا يضيف برميلاً جديداً إلى السوق. لكنها تعرف أيضاً أن تجاهل صدمة طاقة بهذا الحجم قد يترك توقعات التضخم تنفلت من جديد، ويعيد إلى الأذهان الأخطاء القديمة حين تم التقليل من أثر الصدمات على الأسعار. المعادلة إذن قاسية ومباشرة؛ إن شددت السياسة أكثر، خنقت النمو الضعيف أصلاً. وإن مالت إلى التيسير، خاطرت بإحياء تضخم لم يمت بالكامل بعد. 

الفدرالي الأميركي... تثبيت متوقع ورسالة أصعب
الاحتياطي الفدرالي يقف في قلب هذا الاختبار. السوق لا تتوقع تغييراً فورياً في سعر الفائدة هذا الأسبوع، لكن القرار نفسه ليس هو جوهر الحدث. ما سيهم المستثمرين فعلاً هو ما إذا كان جيروم باول سيبقي الباب موارباً أمام خفض لاحق، أم أن لهجة الفدرالي ستعترف ضمناً بأن الحرب رفعت كلفة الانتظار وكلفة التيسير معاً. بيانات الولايات المتحدة لم تكن كارثية قبل الصدمة، لكنها لم تكن مريحة أيضاً، إذ بلغ التضخم الأساسي في فبراير 3.1%، في حين جرى تعديل نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع إلى 0.7% فقط، وأسواق العمل لا زالت ترسل إشارات مخيفة. ومع اضطراب نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وارتفاع الأسعار بنحو 50% خلال أسبوعين، بات الفدرالي مضطراً إلى إصدار توقعات جديدة من داخل ضباب الحرب، لا من داخل نماذج الاقتصاد التقليدية. 

المشكلة بالنسبة للفدرالي أن الاقتصاد الأميركي دخل هذه المرحلة وهو متماسك ظاهرياً، لكنه ليس محصناً كما يبدو. فالطلب الاستهلاكي بدأ يفقد بعض الزخم، والأصول الخطرة لم تعد تتحمل صدمة جديدة بسهولة، وتكاليف التمويل أصلاً مرتفعة منذ فترة طويلة. لذلك، فإن باول لن يكون أمام مهمة شرح السياسة النقدية فقط، بل أمام مهمة أصعب - كيف يقنع الأسواق بأن البنك المركزي لا يتأخر عن التضخم، من دون أن يبدو مستعداً لدفع الاقتصاد نحو تباطؤ أشد فقط لأن النفط قرر أن يفسد كل الحسابات. أي نبرة متشددة أكثر من اللازم قد تشعل الدولار والعوائد، فيما أي نبرة لينة أكثر من اللازم قد تُفهم على أنها تهاون جديد مع التضخم، وسيضغ فقدان الثقة على الطاولة. لذلك الميول تثبيت أسعار الفائدة مع إشارة إلى مخاطر التوترات الجيوسياسية مع رفع توقعات التضخم.

بنك إنكلترا والمركزي الأوروبي... الخفض يتراجع والقلق يتقدم
في بريطانيا، تبدو الصورة أكثر توتراً مما كانت عليه قبل أسابيع قليلة. فالسوق التي كانت ترى مجالاً لخفض الفائدة عادت لتتحدث عن التأجيل، بل وحتى عن احتمال رفع لاحق إذا استمرت صدمة الطاقة. إن بنك إنكلترا مرشح للإبقاء على الفائدة عند 3.75% بتصويت متوقع 7 مقابل 2، فيما تتجه التقديرات إلى أن التضخم البريطاني قد يعود إلى نطاق 3% إلى 4% بحلول نهاية 2026، وهو ما يضع لجنة السياسة النقدية أمام اختبار صعب بين نمو ضعيف وتضخم عنيد. لهذا السبب، تبدو لندن اليوم وكأنها لا تبحث عن قرار حاسم، بل عن شراء الوقت، ومحاولة تمرير هذا الأسبوع من دون ارتكاب خطأ استراتيجي جديد. 

أما في منطقة اليورو، فإن الصدمة تبدو أكثر حساسية لأن أوروبا لم تبتعد تماماً عن آثار أزمة الطاقة السابقة، وجاءت الحرب الحالية لتوقظ الخوف نفسه ولكن في بيئة أضعف. الأسواق التي كانت تراهن على استمرار مسار التيسير الأوروبي أصبحت أكثر حذراً، إلى درجة أن بعض التسعيرات بدأت تفتح الباب أمام احتمال عودة التفكير في تشديد إضافي إذا طال أمد تعطل الإمدادات وواصل النفط ارتفاعه. لا أحد يتحدث هنا عن موجة رفع مؤكدة، لكن مجرد عودة هذا الاحتمال إلى الطاولة تكفي لفهم حجم التحول الذي صنعته التوترات الجيوسياسية. فجأة، لم يعد البنك المركزي الأوروبي يناقش فقط كيف يدعم النمو، بل كيف يمنع الطاقة من تحويل التضخم المؤقت إلى مشكلة أكثر ثباتاً. 

اليابان وأستراليا... طرفا المعادلة المتعاكسان
في اليابان، يواجه بنك اليابان معضلة تختلف في الشكل لكنها لا تقل صعوبة. السوق تتوقع تثبيت الفائدة عند 0.75%، لكن مع الإبقاء على انحياز واضح نحو رفع لاحق. والسبب مفهوم: اليابان من أكثر الاقتصادات اعتماداً على واردات الطاقة، وأي صعود إضافي في النفط، مع ضعف الين، يتحول سريعاً إلى ضغط تضخمي داخلي. وفي الوقت نفسه، فإن تشديد السياسة بسرعة يحمل مخاطر على اقتصاد لا يزال هشاً من ناحية الطلب المحلي. لذلك يبدو بنك اليابان هذا الأسبوع مع تثبيت الفائدة وكأنه يمشي فوق خيط رفيع جداً، لا يريد أن يظهر متساهلاً مع الأسعار، ولا يريد كذلك أن يضغط على النشاط الاقتصادي في لحظة عالمية مرتبكة. 

في المقابل، تبدو أستراليا في موقع مختلف نسبياً. فبحسب ما تتوقعه الأسواق، قد يتجه الاحتياطي الأسترالي إلى رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس هذا الأسبوع، في إشارة إلى أن بعض الاقتصادات لم تعد ترى في الصدمة الحالية مجرد سبب للتريث، بل سبباً مباشراً لمزيد من التشدد. وهذا بحد ذاته يوضح كيف أن العالم لم يعد يتحرك بإيقاع نقدي واحد. هناك بنوك مركزية ستختار الانتظار، وهناك أخرى قد تجد نفسها مضطرة إلى الرد سريعاً، ليس لأن النمو قوي، بل لأن التضخم عاد ليطرق الباب بجرس نفطي ثقيل.

سويسرا وكندا... الملاذ الآمن لا يحل كل شيء
البنك الوطني السويسري يواجه نسخة مختلفة من الأزمة. فالتضخم هناك لا يبدو المشكلة الأساسية حالياً، إذ تتوقع الأسواق إبقاء الفائدة عند 0% طوال 2026، بينما يتركز الاهتمام على قوة الفرنك التي ازدادت بفعل الطلب عليه كملاذ آمن. الفرنك صعد بنحو 2% أمام اليورو، وهذا قد يبدو خبراً جيداً للمستثمرين الباحثين عن الأمان، لكنه ليس مريحاً لاقتصاد تصديري مثل الاقتصاد السويسري. لذلك، فإن أداة التدخل في سوق الصرف تبدو بالنسبة إلى زيوريخ أكثر أهمية من أي تحريك للفائدة نفسها. أحياناً، لا يكون الخطر في التضخم فقط، بل في أن تصبح العملة نفسها ثقيلة أكثر من اللازم على الاقتصاد. 

أما كندا، فتقف في منطقة وسطى مربكة. من جهة، هي دولة مصدرة للطاقة ويمكنها أن تستفيد جزئياً من ارتفاع الأسعار. ومن جهة أخرى، فإن صدمة النفط العالمية تعيد أيضاً الضغوط التضخمية وتدفع بنك كندا إلى مزيد من الحذر. لهذا، يراقب المستثمرون اجتماعه هذا الأسبوع ليس فقط لقراءة قراره، بل لفهم كيفية تعامله مع مفارقة صعبة - كيف يستفيد الاقتصاد من ارتفاع النفط كدخل خارجي، من دون أن يتحول ذلك إلى عبء داخلي على الأسعار والتمويل؟ أحياناً، حتى الدول الرابحة نظرياً من صدمة النفط تكتشف أن الأرباح الجيوسياسية تأتي مع فاتورة نقدية غير لطيفة.  ما سيدفع بنك كندا لتثبيت الفائدة وشراء الوقت.

الاحتياطي الاستراتيجي يخفف الصدمة... لكنه لا يلغيها
محاولات احتواء الأزمة مستمرة، لكنها لا تبدو كافية لحسمها. وكالة الطاقة الدولية أعلنت إطلاق أكثر من 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، في أكبر تعبئة من هذا النوع تقريباً، كما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى استخدام كل ما تبقى من أدوات لتهدئة السوق، من السحب من المخزونات إلى تخفيف بعض القيود على تدفقات بديلة. لكن السوق تدرك أن هذه حلول مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة. فحين يكون الاختناق في ممر بحري يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، فإن أي تدخل طارئ قد يؤجل الأزمة أو يخفف حدتها، لكنه لا يعيد اليقين المفقود بسهولة. 

وهنا تحديداً تكمن العقدة الكبرى للبنوك المركزية. فهي لا تقرر هذا الأسبوع في ظروف اقتصادية قابلة للقياس فقط، بل في بيئة سياسية وعسكرية مفتوحة على احتمالات متسعة. إذا هدأت الحرب سريعاً، قد تستعيد الأسواق بعض هدوئها، ولكن عودة فكرة خفض الفائدة إلى الواجهة قد تحتاج متابعة تأثير الصدمة. أما إذا طال تعطل هرمز، فإن العالم قد يكون أمام نسخة جديدة من صدمة تضخمية عالمية، تختلف في تفاصيلها عن 2022 لكنها لا تقل عنها خطورة. في هذه الحالة، ستصبح الرسائل النقدية التي تصدر هذا الأسبوع شديدة الأهمية، لأنها سترسم ليس فقط مسار الفائدة، بل أيضاً حدود صبر البنوك المركزية على نفط خرج من السوق ليتحول إلى سياسة، وتضخم، وقلق عالمي شامل.  

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/15/2026 9:20:00 PM
الخليج وبريطانيا يدينان تهديدات إيران للملاحة ويؤكدان حماية مضيق هرمز وباب المندب
الخليج العربي 3/16/2026 8:49:00 AM
"طيران الإمارات" تتوقّع تشغيل رحلات دبي بجدول محدود اليوم
كتاب النهار 3/16/2026 3:32:00 PM
الرئيس السوري يدرك جيداً أن أيّ تحريك للمجموعات المقاتلة المرتزقة التي حاربت في سوريا تحت لواء "داعش" و"جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام"، سيخرج المارد من القمقم
اقتصاد وأعمال 3/16/2026 11:19:00 AM
يكفي تعثر الملاحة فيها كي تتوقف مصانع، وتتأخر شحنات، وتُعاد حسابات القوى الكبرى.