اقتصادات الخليج: مرونة لافتة رغم الحرب!
عندما تندلع الحروب في الشرق الأوسط، يتجه القلق الاقتصادي العالمي سريعاً إلى الخليج العربي. هذه المنطقة ليست فقط قريبة جغرافياً من بؤر التوتر، بل تمثّل أيضاً أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي، نظراً إلى دورها المحوري في أسواق الطاقة والتجارة. يكفي النظر إلى مضيق هرمز لفهم حجم هذه الأهمية. المضيق الذي يربط الخليج ببحر عُمان يعبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، أي نحو خُمْس النفط المستهلك عالمياً، إضافة إلى نحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. لذلك ينعكس أي تصعيد عسكري في محيطه فوراً على أسعار الطاقة والأسواق المالية الدولية.
لكن المفارقة أن اقتصادات الخليج تبدو حتى الآن أكثر استقراراً نسبياً مقارنة بكثير من اقتصادات المنطقة، بل وحتى مقارنة ببعض الاقتصادات العالمية المعتمدة على الطاقة المستوردة. هذا الاستقرار لا يعني أن دول الخليج بمنأى عن المخاطر، بل يعكس تراكم عناصر قوة اقتصادية ومالية خلال العقود الماضية من الزمن جعلتها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
أحد أهم هذه العناصر هو الحجم المتزايد للاقتصادات الخليجية. يبلغ اليوم الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي نحو 2.5 تريليون دولار تقريباً، ما يجعلها واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم. ويأتي الجزء الأكبر من هذا الناتج من اقتصادين رئيسيين هما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فاقتصاد السعودية يقترب من 1.3 تريليون دولار، بينما يبلغ اقتصاد الإمارات نحو 600 مليار دولار. أما بقية الاقتصادات الخليجية فتتوزع بين دولة قطر بنحو 240 مليار دولار، ودولة الكويت بنحو 160 مليار دولار، وسلطنة عُمان بنحو 110 مليارات دولار، ومملكة البحرين بنحو 50 مليار دولار.
لكن القوة الاقتصادية للخليج لا تتوقف عند حجم اقتصاده، بل تمتد أيضاً إلى الثروة المالية الضخمة التي راكمتها دوله في الخارج. تُعَد الصناديق السيادية الخليجية من الأكبر في العالم، إذ تُقدَّر الأصول التي تديرها بنحو خمسة تريليونات دولار تقريباً. ويُعتبَر جهاز أبو ظبي للاستثمار أحد أكبر هذه الصناديق بأصول يساوي حجمها تريليون دولار تقريباً، بينما يُقدَّر حجم صندوق الاستثمارات العامة السعودي بنحو 913 مليار دولار.
إلى جانب هذه الثروة الاستثمارية، تمتلك المصارف المركزية الخليجية احتياطيات مالية كبيرة توفر طبقة إضافية من الحماية الاقتصادية. تمتلك السعودية 400-415 مليار دولار من صافي الأصول الأجنبية، والإمارات 275-280 مليار دولار، وقطر 35-40 مليار دولار، والكويت 35-40 مليار دولار، وعُمَان 18-20 مليار دولار، والبحرين 4-5 مليارات دولار. هذه الموارد المالية تمنح الحكومات قدرة كبيرة على التدخل دعماً للاقتصاد أو النظام المصرفي كلما تعرضت الأسواق إلى اضطرابات.
أما مستويات الدين العام في معظم دول الخليج فتبقى منخفضة نسبياً مقارنة بكثير من الاقتصادات المتقدمة. فالدين العام في السعودية يدور حول نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وفي الإمارات عند مستوى قريب من ذلك، بينما يبقى منخفضاً نسبياً في الكويت. أما في قطر وعُمان فيبلغ نحو 40 إلى 45 في المئة من الناتج المحلي، مع استثناء واضح في البحرين حيث يتجاوز الدين العام 100 في المئة من الناتج المحلي.

العامل الأكثر مفارقة في هذه المعادلة يبقى النفط نفسه. فالحروب في الشرق الأوسط كثيراً ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات. وفي الظروف الطبيعية تنتج دول الخليج مجتمعة نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمْس الإنتاج العالمي. كذلك تمتلك هذه الدول احتياطيات نفطية ضخمة تُقدَّر بنحو 500 مليار برميل، أي ما يقارب ثلث الاحتياطي العالمي.
لكن قوة الاقتصاد الخليجي اليوم لم تعد تعتمد على النفط وحده كما كانت الحال في الماضي. قبل أكثر من عقد بدأت معظم دول مجلس التعاون تنفيذ برامج واسعة لتنويع اقتصاداتها. أطلقت السعودية "رؤية 2030" التي تستهدف تطوير قطاعات السياحة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، بينما نجحت الإمارات في بناء اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والخدمات المالية والسياحة والطيران.
هذه السياسات بدأت تؤتي ثمارها في شكل مطّرد. يشكل الاقتصاد غير النفطي اليوم أكثر من نصف الاقتصاد السعودي، ويصل إلى نحو 70 إلى 75 في المئة من اقتصاد الإمارات. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن اقتصادات الخليج حققت نمواً بنحو 3.2 في المئة في عام 2025، وقد ترتفع هذه النسبة إلى 4.5 في المئة في عام 2026، مع مساهمة متزايدة للقطاعات غير النفطية في هذا النمو.
وتوفر البنية التحتية للطاقة في الخليج قدراً من المرونة في مواجهة المخاطر الجيوسياسية. تمتلك السعودية "خط أنابيب شرق غرب" الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، ما يسمح بتصدير جزء كبير من النفط بعيداً عن مضيق هرمز. كذلك تمتلك الإمارات "خط أنابيب حبشان الفجيرة" بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يومياً يسمح بنقل النفط مباشرة إلى بحر العرب.
ولا يقتصر دور الخليج على النفط فقط، بل يمتد أيضاً إلى سوق الغاز الطبيعي المسال. تُعَد قطر أحد أكبر البلدان المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ تصدر حالياً نحو 77 مليون طن سنوياً، ومن المتوقع أن ترتفع طاقتها الإنتاجية إلى 126 مليون طن سنوياً بحلول عام 2027، ما سيجعلها أكبر مصدر للغاز المسال في العالم.
مع ذلك، ليست اقتصادات الخليج محصنة بالكامل من تداعيات الحرب. تؤثر الأعمال العسكرية في قطاعات عدة، ولاسيما الطيران والسياحة والتجارة البحرية. يبلغ حجم قطاع السياحة في الخليج نحو 367 مليار دولار سنوياً، كما أصبحت المنطقة مركزاً عالمياً للنقل الجوي. على سبيل المثال، استقبل مطار دبي الدولي نحو 92.3 مليون مسافر في عام 2024.
في النهاية، يمكن القول إن الاستقرار الذي تبدو عليه اقتصادات الخليج في ظل الحرب الحالية ليس استقراراً مطلقاً، بل نتيجة قدرتها المالية والاقتصادية على امتصاص الصدمات. الثروة السيادية الكبيرة، والاحتياطيات المالية، وارتفاع عوائد الطاقة، إضافة إلى التقدم في تنويع الاقتصاد، كلها عوامل تمنح هذه الدول قدرة على امتصاص الأزمات.
نبض