اقتصاد الحرب: قطاعات تربح وأخرى تدفع الثمن... أسواق الضرورة تنتعش غذاءً ومستلزمات إيواء للنازحين
حين تندلع الحروب، لا تتغير الخرائط العسكرية فقط، بل تتبدل تفاصيل الحياة اليومية للناس. فجأة تصبح الأمور مثقلة بالقلق والخوف، فتتراجع أحلام التخطيط للمستقبل أمام الحاجة إلى أبسط مقومات العيش، من طعامٍ ومأوىٍ والحد الأدنى من الاستقرار.
أمام هذا الواقع، من البديهي أن ينكمش الاقتصاد وتتغير خريطته: قطاعات تتوقف أو تتراجع بشدة، وأخرى تستمر بحدود الضرورة لأنها ترتبط مباشرة بحاجات الناس والنازحين. وهكذا يتشكل ما يعرف بـ"اقتصاد الحرب"، حيث يصبح الاستهلاك مرتبطاً بالبقاء أكثر منه بالرفاء.
في القطاع التجاري، تبدو الصورة انعكاساً مباشراً لهذه التحولات. ويلفت نائب رئيس جمعية تجار بيروت نبيل فهد إلى أن الحركة التجارية شهدت تراجعاً كبيراً في معظم القطاعات، مشيراً إلى أن "النشاط التجاري العام الذي يشمل السلع الأساسية والكمالية والمعمرة، تراجع بنحو 50%. فالسلع غير الأساسية تضررت أكثر من غيرها، إذ تراجعت مبيعاتها بنسبة تقارب 70%، علماً أنها تمثل نحو ثلثي النشاط التجاري. وعلى رغم أن قطاع المواد الغذائية والاستهلاكية شهد في الأسبوع الأول من الأزمة تهافتاً كبيراً من المواطنين لتخزين المواد الأساسية، عادت المبيعات لتتراجع أيضاً هذا الأسبوع بنحو 50% بعد امتلاء المنازل بالمخزون الضروري".
من البديهي أن يؤدي اقتصاد الحرب أيضاً إلى طلب مختلف يرتبط مباشرة بحاجات الناس والنازحين. فمع انتقال آلاف العائلات من مناطقها، يزداد الطلب على المواد الاستهلاكية الأساسية مثل الأغذية والمياه والمنظفات، إضافة إلى مستلزمات الإيواء المؤقت مثل الفرش والمراتب والبطانيات والأغطية والوسائد والخيم. هذه السلع تصبح جزءاً من دورة استهلاك يومية مرتبطة بالحياة الطارئة، ما يجعل بعض التجار العاملين في هذه القطاعات يحققون حركة بيع أفضل نسبياً مقارنة بقطاعات أخرى شبه متوقفة.

المطاعم نحو الإقفال
في المقابل، تبدو الخسائر واضحة في القطاعات المرتبطة بالخدمات والسفر والسياحة، وخصوصاً قطاع المطاعم الذي يعيش إحدى أصعب مراحله، وفق ما يقول رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي طوني الرامي، الذي يشير إلى أن التطورات الأخيرة "أدخلت الاقتصاد اللبناني في حرب فعلية انعكست مباشرة على القدرة الشرائية للناس". ويوضح أن "الاقتصاد الذي كان يحقق نحو 65 مليون دولار يومياً العام الماضي شهد تراجعاً في الإنفاق اليومي بنسبة تراوح بين 60 و70%".هذا الانخفاض انعكس بوضوح على نشاط المطاعم وخدمات الطعام، فالطلبات اليومية لخدمات التوصيل التي كانت تصل إلى نحو 55 ألف طلب يومياً انخفضت إلى نحو 30 ألفاً فقط، وهو مؤشر مباشر لتراجع الإنفاق الاستهلاكي. ويشير الرامي إلى أن "الكثير من المطاعم، خصوصاً في وسط بيروت، بدأ يقفل أبوابه في ساعات الليل، فيما يتجه عدد منها إلى الإقفال الكامل خلال الفترة المقبلة. حتى المناطق السياحية مثل الروشة وكسروان وجبيل لم تعد تشهد الحركة المعتادة، فيما بات أصحاب المطاعم قلقين في شأن القدرة على دفع رواتب الموظفين والاستمرار في العمل".
ويؤكد الرامي أن "القطاع السياحي ككل يشهد مرحلة صعبة، إذ إن الفنادق تعاني ضعفاً كبيراً في الإشغال باستثناء بعض الحجوزات القصيرة في الفنادق ذات الثلاث نجوم، بينما امتلأت بعض الشقق المفروشة جزئياً بالنازحين. ويكاد قطاع تأجير السيارات يتوقف بالكامل، في حين توقف قطاع السهر تماماً، ما يزيد حجم الخسائر التي قد تصل إلى نحو مليار دولار خلال شهرين. كما أن المطاعم خسرت مناسبات مهمة مثل إفطارات رمضان والسحور، إضافة إلى عيدي الفطر والفصح اللذين يشكلان عادة نحو 20% من دخلها السنوي".
أما رئيس نقابة أصحاب مكاتب السياحة والسفر جان عبود فيصف الحركة في هذا القطاع بأنها شبه مجمّدة، موضحاً أن "العمل اليومي لم يعد يتركز على بيع التذاكر بقدر ما أصبح ينحصر في معالجة المشكلات المرتبطة بالحجوزات السابقة، مثل إلغاء الرحلات أو تعديلها وتغيير مساراتها".
ويشير إلى أن "حجم المبيعات اليومية الذي كان يراوح سابقاً بين مليون و100 ألف دولار ومليون و700 ألف دولار، انخفض اليوم إلى ما بين 500 ألف و550 ألف دولار فقط، أي أن الحركة تراجعت بنحو 80 إلى 85%".
التراجع يظهر أيضاً في حركة الطيران عبر مطار بيروت، فقبل الأحداث كان المطار يشهد إقلاع 60 إلى 65 رحلة يومياً، لكن العدد تراجع اليوم إلى نحو 20 أو 23 رحلة فقط. كذلك تراجع عدد رحلات شركة طيران الشرق الأوسط من أكثر من 300 يومياً إلى نحو 20 رحلة. ويوضح عبود أن الطائرات التي تغادر بيروت تكون ممتلئة في معظم الأحيان، لكنها تعود شبه فارغة، ما يعكس واقعاً واضحاً يتمثل في أن عدد المغادرين يفوق بكثير عدد الواصلين.
نبض