تشهد الساحة النفطية العراقية تطوراً جديداً قد يعيد رسم ملامح تدفقات الطاقة في المنطقة، بعد أن طلبت الحكومة العراقية الاتحادية من حكومة إقليم كردستان تصدير ما لا يقل عن 100 ألف برميل من النفط يومياً عبر خط أنابيب الإقليم وصولاً إلى ميناء جيهان التركي، في خطوة تهدف إلى استئناف الصادرات عبر المسار الشمالي الذي ظل متوقفاً لفترات طويلة بسبب خلافات قانونية ومالية بين بغداد وأربيل، إضافة إلى تحديات فنية وجيوسياسية معقدة.
ويأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الحساسية، إذ تواجه أسواق الطاقة العالمية حالة من التوتر وعدم اليقين نتيجة تصاعد الأحداث العسكرية في الشرق الأوسط، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار النفط التي تشهد تقلبات حادة مدفوعة بمخاوف اضطراب الإمدادات. كما تتزايد المخاوف الدولية مع اتساع نطاق المواجهات الإقليمية، خاصة في ظل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما يرافق ذلك من تهديدات لحركة الملاحة في مضيق هرمز وإغلاقه منذ أيام، الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم.
وقال مصدر مسؤول في وزارة النفط العراقية لـ"النهار"، ان "هناك تحركات حكومية مكثفة لإعادة تصدير نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإيرادات النفطية وتعويض التراجع الحاصل في صادرات النفط العراقية نتيجة التطورات العسكرية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز".
وأضاف المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه ان "الحكومة العراقية وجهت طلباً رسمياً إلى حكومة إقليم كردستان لاستئناف عمليات التصدير النفطية بالتنسيق الكامل مع وزارة النفط الاتحادية، وهناك وجود تفاهمات متقدمة بين الجانبين لإنهاء الملفات الفنية والإدارية المتعلقة بآليات التسليم والتسويق".
وبين ان "الخطة الأولية تتضمن إعادة ضخ نحو 100 ألف برميل يومياً عبر خط الأنابيب العراقي–التركي وصولاً إلى ميناء جيهان، على أن ترتفع الكميات تدريجياً خلال فترة قصيرة لتصل إلى 250 ألف برميل يومياً، بحسب القدرة التشغيلية واستقرار الأوضاع اللوجستية".
وتابع ان "هذه الخطوة تأتي في إطار إجراءات طارئة اتخذتها الحكومة للحفاظ على استقرار الصادرات النفطية العراقية، بعد انخفاض حجم الشحنات المارة عبر الخليج العربي نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية".
وأكد المصدر المسؤول أن "وزارة النفط تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية داخل العراق وخارجه لضمان انسيابية عمليات النقل والتصدير وفق المعايير الدولية، واستئناف صادرات نفط الإقليم سيسهم في دعم الموازنة العامة وتعزيز موثوقية العراق كمصدر رئيسي للطاقة في الأسواق العالمية".
وختم المصدر المسؤول في وزارة النفط العراقية قوله ان "الحكومة الاتحادية تسعى إلى إدارة الملف النفطي بصورة موحدة بما يحقق المصلحة الوطنية، مع الالتزام بالدستور والقوانين النافذة، وبما يضمن توزيعاً عادلاً للإيرادات النفطية بين الحكومة الاتحادية والإقليم، واليومين المقبلين ستشهد استكمال الإجراءات الفنية النهائية، مع توقع بدء عمليات التصدير فعلياً خلال الأسبوع المقبل في حال اكتمال الترتيبات التشغيلية والاتفاقات الفنية بين الأطراف المعنية".

فيما قال الخبير في الشؤون النفطية أحمد عسكر، لـ"النهار"، ان "توجه الحكومة العراقية لإعادة تصدير نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، من شأنها تقليل الخسائر الاقتصادية وتعزيز استقرار الإيرادات العامة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية في المنطقة".
وبين عسكر ان "العراق يواجه واحدة من أصعب التحديات النفطية بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره النسبة الأكبر من صادرات النفط العراقية، فالاقتصاد العراقي يعتمد على النفط بنسبة تتراوح بين 90% و95% من إيرادات الدولة، ما يجعل أي اضطراب في التصدير تهديداً مباشراً للاستقرار المالي".
وأضاف ان "إغلاق المضيق أدى إلى انخفاض صادرات العراق النفطية بما لا يقل عن مليون برميل يومياً، وهو رقم كبير انعكس فوراً على حجم الإيرادات وتدفقات النقد الأجنبي، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً نتيجة المخاطر الأمنية في المنطقة".
وأكد عسكر ان "إعادة تشغيل خط الأنابيب الممتد من حقول كركوك وإقليم كردستان إلى ميناء جيهان يمنح العراق منفذاً تصديرياً بديلاً بعيداً عن الخليج العربي، فالخطة الحكومية التي تبدأ بضخ 100 ألف برميل يومياً قابلة للارتفاع تدريجياً إلى 250 ألف برميل يومياً تمثل مرحلة أولى لإعادة تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مسار واحد".
وتابع الخبير في الشؤون النفطية أن "نحو 90% من صادرات النفط العراقية كانت تمر تقليدياً عبر مضيق هرمز، وهو ما كشف هشاشة البنية التصديرية للعراق خلال الأزمة الحالية، ودفع الحكومة إلى البحث السريع عن مسارات بديلة مثل خط جيهان وخطوط مستقبلية نحو الأردن وسوريا، كما ان أزمة مضيق هرمز أثرت على نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ما تسبب بارتفاع أسعار النفط العالمية بنسبة وصلت إلى 10–13% خلال الأيام الأولى للأزمة، وهو ما يمنح العراق فرصة لتعويض جزء من خسائره إذا تمكن من زيادة الصادرات بسرعة".
وختم عسكر حديثه مع "النهار" ان "إعادة تصدير نفط إقليم كردستان تمثل أيضاً خطوة سياسية واقتصادية مهمة نحو توحيد إدارة الملف النفطي بين بغداد وأربيل، والاتفاقات السابقة كانت تستهدف تسويق ما لا يقل عن 230 ألف برميل يومياً عبر شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، وهو مستوى يمكن الوصول إليه تدريجياً بعد استقرار العمليات التشغيلية".
ويرى مراقبون أن إعادة تشغيل خط التصدير الشمالي عبر الأراضي التركية قد تمثل محاولة عراقية لتعزيز مرونة صادراتها النفطية وتقليل الاعتماد على المسارات الجنوبية المطلة على الخليج، فضلاً عن الاستفادة من ارتفاع الطلب العالمي على الخام في ظل المخاطر الجيوسياسية الراهنة. كما تعكس الخطوة مساعي بغداد لتعزيز حضورها في الأسواق العالمية وتأمين تدفقات مالية إضافية في مرحلة تتسم بضغط اقتصادي وتحديات مالية متزايدة.
وبين الحسابات السياسية الداخلية والتوازنات الإقليمية المعقدة، يفتح هذا القرار الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل العلاقة النفطية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، ومدى قدرة العراق على توظيف موقعه كأحد كبار منتجي النفط لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وسط بيئة دولية مضطربة وسريعة التغير.
نبض