عقدة هرمز: الوعد الأميركي شيء والقدرة الفعلية شيء آخر

عقدة هرمز: الوعد الأميركي شيء والقدرة الفعلية شيء آخر
خريطة تظهر حركة السفن التجارية على حافة مضيق هرمز بالقرب من الساحل الإيراني (أ ف ب).
Smaller Bigger

في 6 آذار/مارس الجاري، قال وزير الطاقة الأميركي إن البحرية الأميركية سترافق السفن “حين يصبح ذلك معقولًا”، لكن بعد ذلك بأيام قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الولايات المتحدة لم تُرافق فعليًّا أي ناقلة نفط عبر المضيق، كما أن البحرية الأميركية رفضت طلبات شبه يومية من قطاع الشحن لتوفير مرافقة عسكرية بسبب ارتفاع مخاطر الهجمات. وفي الوقت نفسه قال رئيس هيئة الأركان المشتركة إن البنتاغون يدرس "مجموعة من الخيارات"، علاوة على ذلك، تصريحات الرئيس الأمريكي حول الحماية والتأمين، أي أن القرار لم يتحول بعد إلى مظلة حماية ثابتة. هذا الفراغ بين الإشارة السياسية والتنفيذ العسكري هو بالتحديد ما تكرهه الأسواق. 

وليس الحديث هنا عن ممر ثانوي. مضيق هرمز تمر عبره عادةً نحو خُمس تجارة العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، وقد هبطت الحركة عبره إلى 97% منذ اندلاع الحرب، وفي ذروة الاضطراب انخفض عدد الناقلات اليومية إلى الصفر من 37 ناقلة قبل الضربات الأولى. كما أن نحو 15 مليون برميل يوميًّا من الخام وأكثر من 4 ملايين برميل يوميًّا من المنتجات المكررة تغادر الشرق الأوسط عادة عبر هذا الممر. حين يتعطل هذا الحجم، لا تعود المشكلة في السعر فقط، بل في الزمن، وفي المخزون، وفي قدرة المصافي على الاستمرار من دون خنقٍ تدريجي للإمدادات.

باب المندب ليس خطة بديلة مريحة
قد يبدو الالتفاف عبر البحر الأحمر حلًّا منطقيًّا على الورق، خصوصًا مع سعي أرامكو إلى تحويل بعض الشحنات إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي السعودي. لكن حتى هذا "البديل" يرسل فاتورته الخاصة. تكاليف الشحن إلى ينبع قفزت إلى 28 مليون دولار للناقلة الواحدة، أي أكثر من الضعف، وأن بعض ترتيبات الشحن فشلت أصلًا لأن شركات النقل تفضّل الابتعاد عن المنطقة كلها. هنا تظهر العقدة الأخطر؛ إذا عاد الحوثيون بقوة إلى تهديد باب المندب، فإن طريق الالتفاف نفسه يتحول من مخرج إلى مغلق.

والتاريخ القريب لا يترك كثيرًا من مجال للطمأنينة. الحوثيين نجحوا في شل معظم المرور عبر البحر الأحمر وباب المندب في طريقه إلى قناة السويس لأكثر من عامين رغم الحماية الغربية. المعنى الاقتصادي هنا واضح وقاسٍ؛ إذا كان الفاعل الأصغر استطاع إرباك واحد من أهم ممرات التجارة العالمية، فإن اجتماع خطر هرمز مع تهديد البحر الأحمر يخلق صدمة مزدوجة، لا في النفط فقط، بل في التجارة والتأمين وسلاسل التوريد والوقت نفسه. 

النفط أولًا… لكنه ليس النهاية
ردة الفعل الأولى دائمًا تبدأ من الطاقة. برنت صعد بأكثر من 36% منذ بداية الحرب، ولامس مع خام غرب تكساس مستويات فوق 119 دولارًا هذا الأسبوع قبل التراجع، بينما ارتفع مجددًا اليوم مع الهجمات على الناقلات، وكان برنت قرب 96.45 دولارًا وغرب تكساس عند 91.30 دولارًا بعد أن لامسا في وقت سابق 100 دولار و119.50 دولارًا على التوالي. إعادة تسعير شاملة لمخاطر الإمداد والزمن والتأمين. 

 

الدخان متصاعد من سفينة الشحن التايلاندية مايوري ناري بالقرب من مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم (أ ف ب).
الدخان متصاعد من سفينة الشحن التايلاندية مايوري ناري بالقرب من مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم (أ ف ب).

 

العملات: الدولار يستفيد أولًا… والبقية تدفع الفاتورة
في مثل هذه اللحظات، لا تسأل الأسواق أولًا عن العدالة أو المنطق، بل عن السيولة. لذلك كان الدولار، إلى جانب النفط، من أبرز الرابحين في بداية الصدمة، بينما هبطت مؤشرات العملات والأسهم في الأسواق الناشئة إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أسابيع مع بحث المستثمرين عن الأمان السريع. كما تعرض اليورو لضغوط مع ازدياد حساسية أوروبا لأي قفزة جديدة في الطاقة. هذا النمط مألوف - الاقتصاد المستورد للطاقة يُعاقَب أولًا في سوق الصرف، حتى قبل أن تظهر الفاتورة الكاملة في التضخم والنمو.

الأذى هنا لا يمر fأسعار الوقود فقط. أن مجرد ارتفاع النفط 10% يمكن أن يفاقم عجز الحساب الجاري في بعض الأسواق الناشئة بين 40 و60 نقطة أساس، ما يعني ضغوطًا على العملات والتمويل الخارجي وتكلفة الاقتراض في آنٍ واحد. لهذا تبدو اقتصادات مثل الهند، وكثير من آسيا الناشئة، أكثر عرضة لارتجاجات ممتدة إذا طال أمد الأزمة أو اتسعت جغرافيًّا. لذلك قد يبدو اليورو أكثر العملات معاناة في حال استمرار أمد التوترات الجيوسياسية جرّاء ارتفاع حساسية التضخم لأسعار الطاقة المرتفعة.

 الأسهم والديون: منطق الملاذات يتعطل
الأسوأ في هذه الصدمة أن سلوك الأسواق لم يبقَ تقليديًّا. النقد أصبح ملكًا، بعدما هبط الذهب والسندات والأسهم معًا في وقت واحد، وانكسرت العلاقة المألوفة بين الأصول الخطرة والملاذات. وفي 11 مارس تراجعت الأسهم العالمية مجددًا وقفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية، في إشارة إلى أن السوق بدأ يخشى شيئًا أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها - مزيجًا من التضخم الأعلى والنمو الأضعف. شبح الركود التضخمي عاد يلوّح من خلف الستار. 

هذا يضع أسواق الديون العالمية في زاوية ضيقة. ارتفاع النفط يرفع توقعات التضخم، فيدفع المستثمرين إلى تقليص رهانات خفض الفائدة، فترتفع العوائد بدل أن تهبط. حيث أن حربًا مطولة في الشرق الأوسط قد ترفع تضخم منطقة اليورو مثلاً بوضوح وتخفض النمو. يقدّر صندوق النقد الدولي أن كل زيادة مستمرة قدرها 10% في النفط قد تخفض الناتج العالمي بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية. وحين يقفز النفط وتبقى البنوك المركزية مترددة، تفقد السندات بعض سحرها كملاذٍ بارد الأعصاب. 

الذهب: ليس خطًّا مستقيمًا نحو الأعلى
هنا يقع كثيرون في فخ القراءة السهلة. نعم، الذهب يستفيد من الخوف طويل الأمد، لكنه لا يرتفع بخط مستقيم في كل لحظة توتر. في الأيام الأولى من التوترات الجيوسياسية، صعد المعدن فوق 5400 دولار بدعم طلب الملاذ الآمن، ثم تراجع واستقر مع قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات. المفارقة أن الذهب قد يخسر على المدى القصير داخل الصدمة نفسها، لا لأن الخطر تراجع، بل لأن السوق يبيع كل شيء تقريبًا لتأمين السيولة أو لأنه يفضّل الدولار والعائد اللحظي. لكنه يبقى مدعومًا طالما ظلّت الحرب مفتوحة، وطالما بقيت المخاوف من العجز الأميركي والضبابية الجيوسياسية قائمة. 

 التأمين والشحن: الاقتصاد العالمي يدفع ضريبة الخوف قبل أن تنقطع البراميل
الكلفة لا تبدأ عندما يختفي النفط من السوق، بل عندما يبدأ الجميع في تسعير احتمال اختفائه. هذا ما يفعله التأمين البحري الآن. إن علاوة مخاطر الحرب ارتفعت إلى 3% تقريبًا من قيمة الناقلة، أي ما يعادل نحو 7.5 ملايين دولار لناقلة قيمتها 250 مليون دولار تقريبًا، بعد أن كانت قرب 0.25% أو 625 ألف دولار قبل الصراع. جيفريز قدّرت خسائر الصناعة من السفن المتضررة في الأيام الأولى بما يصل إلى 1.75 مليار دولار. هذه الأرقام جزء من التضخم القادم: كل رحلة أغلى، وكل تأخير أطول، وكل شحنة أقل يقينًا. 

حتى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية لا يقدّم حلًّا سحريًّا. وكالة الطاقة الدولية أعلنت خطة إفراج قياسية تبلغ 400 مليون برميل، قد تبدو أنها مجرد ضمادة على صدمة أوسع، لأن التعطل المحتمل يقارب 20 مليون برميل يوميًّا، ولأن وصول الإمدادات البديلة، خصوصًا إلى آسيا، يحتاج وقتًا وشحنًا وقدرة استيعابية لا تتوافر بالضغط على زر. السوق فهم الرسالة فورًا: الاحتياطي قد يهدئ العناوين، لكنه لا يفتح المضيق. 

 ثلاثة سيناريوات… وثلاثة أسعار مختلفة للعالم
السيناريو الأول هو احتواء رمادي، لا سلام ولا انفجار كامل. تبقى الملاحة ضعيفة، وتتحول الحماية إلى ترتيبات جزئية، وتنجح بعض التدفقات في الخروج تدريجيًّا من الخليج، فيما يبقى البحر الأحمر تحت التهديد من دون عودة حوثية شاملة. في هذا السيناريو يبدو متوسط سعر النفط قرب 98 إلى 105 دولارًا لبرنت، ضغطٌ على العملات المستوردة للطاقة، توقف أو تأجيل لخفض الفائدة في عدد من الأسواق الناشئة، وتذبذب واسع في الأسهم والذهب من دون انهيار شامل.

السيناريو الثاني هو استنزاف أطول في هرمز مع مرافقة أميركية متأخرة أو محدودة. هنا تبدأ المشكلة في الانتقال من شاشة النفط إلى قلب الاقتصاد؛ مصافٍ تضغط على المخزون، شركات طيران ونقل تعيد التسعير، عوائد السندات ترتفع أكثر، والأسواق تتخلى عن فكرة خفض الفائدة السريع. هذا هو السيناريو الذي يدفع برنت إلى 110 - 125 دولارات، ويجعل تجاوز 147 دولارًا ممكنًا إذا ظلت التدفقات مشلولة لفترة أطول واستنزف الاستراتيجي من الدول. هنا لا يصبح السؤال إن كان التضخم سيرتفع، بل كم من النمو سيُضحّى به لاحتوائه.  ذلك قد يدعم قوة الدولار الأمريكي واستقرار الذهب في سيناريو صارخ للتحوط بالملاذ الآمن مع طول أمد التوترات الجيوسياسية.

أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر والأغلى، فهو صدمة المضيقين معًا. هرمز معطل جزئيًّا أو كليًّا، والحوثيون يعيدون توسيع الهجمات في باب المندب والبحر الأحمر. عندها لا تبقى هناك قناة التفاف موثوقة ولا تكلفة يمكن استيعابها بسهولة. النفط قد يقفز ليختبر مستويات 175 دولار، والديون تتعرض لضغوط، والذهب يتحول إلى ملاذ متقلب، والدولار يقوى أولًا ثم تبدأ الأسئلة الأكبر حول أثر الصدمة على العجز العالمي والنمو والائتمان. هذا هو السيناريو الذي لا يعيد فقط تسعير الطاقة، بل يعيد تسعير العالم كله.  وهذا السيناريو قد يتحول في مرحلة استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة أطول من شهر، بأن امكانية الدخول في مرحلة الركود التضخمي ستنعكس باللون الأحمر على أسواق الأسهم العالمية والذهب والعملات الرقمية حتى، وقد يبدو أن الرابح هو النفط في المقام الأول ثم النفط.

الخطر الحقيقي ليس في الإغلاق وحده… بل غياب اليقين
الأسواق تستطيع، أحيانًا، أن تتعايش مع خبر سيئ واضح. ما لا تستطيع هضمه هو خبر سيئ مفتوح على احتمالات متناقضة. واليوم، هذا هو جوهر المشهد - واشنطن لا تريد أن تبدو عاجزة، لكنها لم تحسم بعد كيف تضمن المرور. السعودية ودول الخليج تبحث عن مخارج لوجستية، لكن البحر الأحمر ليس نزهة. الحوثيون ليسوا قوة عظمى، لكن سجلهم يقول إنهم قادرون على إفساد حسابات القوى الكبرى. وكل يوم يمر من دون تسوية أو غطاء حماية موثوق يضيف قسطًا جديدًا إلى فاتورة النفط، ثم إلى التضخم، ثم إلى الفائدة، ثم إلى تقييمات الأسهم، ثم إلى سعر الصرف.


بكلمات أبسط، هرمز لا يهدد النفط وحده. إنه يختبر ما إذا كان النظام المالي العالمي ما زال يملك رفاهية الفصل بين الجغرافيا السياسية وتسعير الأصول. وحتى الآن، الجواب يبدو أقل راحةً مما تحب الأسواق أن تسمعه.

الأكثر قراءة

دوليات 3/12/2026 9:20:00 PM
نتنياهو: حققنا إنجازات كبيرة ضد إيران وحزب الله سيدفع ثمناً باهظاً
لبنان 3/12/2026 5:14:00 AM
خلال فترة الـ60 يوماً التي نص عليها الاتفاق لإنجاز الانسحاب، عمد جيش الاحتلال إلى التدمير الممنهج لبلدات الحافة الأمامية من الناقورة غرباً وصولاً إلى شبعاً شرقاً، مروراً ببلدات القطاع الأوسط كعيتا الشعب ويارون ومارون الراس وعيترون
لبنان 3/11/2026 9:01:00 PM
تحذيرات ديبلوماسية من اجتياح بري إسرائيلي للمنطقة العازلة خلال ساعات وسط تهديدات بتوسيع العمليات إلى كل لبنان.
لبنان 3/12/2026 8:21:00 AM
نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أن مقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يضغطون لتعزيز وجود الجيش الإسرائيلي في لبنان