اقتصاد "الحرب" العالمي: خسائر طويلة الأمد إن استمرت الحرب!
يواصل الاقتصاد العالمي نزيفه جراء الحرب في إيران، وهجمات طهران على دول الجوار، وإغلاق مضيق هرمز أو تفخيخه لمنع مرور ثلث تجارة النفط العالمية، ما يحول الاقتصاد العالمي كلّه إلى اقتصاد حرب، تتغيّر فيه المعادلات والمعايير، ولو كان أحد أطراف الحرب أكثر خسارة من الآخر.
يقول ياسر غريب، الخبير في أسواق المال العالمية، لـ"النهار" إن خسائر إيران تبدو أكبر من خسائر الولايات المتحدة، من زاوية الضرر المباشر داخل أراضيها، وتعطّل النشاط الاقتصادي المحلي، فيما خسائر الشرق الأوسط أكبر كثيراً، إذا أُضيفت إليها خسائر النفط والشحن والطيران وتعطّل التجارة.
خسائر أميركا وإيران
بحسب ما ورد في جلسة إحاطة للكونغرس، الأربعاء، يقدّر مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الأيام الستة الأولى من الحرب على إيران كلفت الولايات المتحدة نحو 11,3 مليار دولار، علماً بأن هذا الرقم لا يشمل التكلفة الكاملة للحرب. وتوقع عدد من المسؤولين في الكونغرس أن يقدم البيت الأبيض قريباً طلباً إلى الكونغرس للحصول على تمويل إضافي للحرب، ربما يصل إلى 50 مليار دولار. ورأى آخرون أن هذا التقدير منخفض.
بالنسبة إلى خسائر إيران، يقول غريب: "لا حصيلة رسمية جامعة لخسائر إيران الاقتصادية حتى الساعة، لكن ثمة 3 إشارات مهمة: الأولى، اقتصاد إيران نفسه ليس ضخماً مقارنة بحجم الصدمة، فصندوق النقد يقدّر الناتج المحلي الاسمي لإيران في 2026 بنحو 375,6 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 7,2 مليارات دولار أسبوعياً، فيما تُظهر بيانات البنك الدولي أن الناتج بلغ 475,3 مليار دولار في 2024، أي ما يعادل نحو 9,1 مليارات دولار أسبوعياً.
الإشارة الثانية، بحسب غريب، هي أن صادرات النفط الإيرانية لم تتوقف بالكامل، إذ أظهرت بيانات تتبع الناقلات أن إيران صدّرت 13,7 مليون برميل منذ 28 شباط/فبراير وحتى 11 آذار/مارس، مع تقدير آخر عند 16,5 مليون برميل في أول 11 يوماً من آذار، ما يعني أن عائداتها النفطية استمرت قرب المستوى الطبيعي نسبياً. والإشارة الثالثة هي أن القتال والضربات يعنيان أن الضرر الإيراني لا يأتي من النفط فقط، "بل من الأصول العسكرية والبنية التحتية، وتوقف الأعمال، والضغط على العملة، وتعطل النقل والتأمين".
ويقدر غريب حجم الخسارة الاقتصادية الإيرانية في الأسبوع الأول بما بين 8 و15 مليار دولار، ويرفعها إلى ما بين 15 و25 مليار دولار، إذا شملت الأضرار الرأسمالية والعسكرية غير المعلنة بالكامل.
خسائر الشرق الأوسط
ذكرت وكالة الطاقة الدولية في بيان لها أن دول الخليج خفضت إنتاج النفط بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً بسبب الحرب، وهو ما يعادل تقريباً 10% من الطلب العالمي، ووصفت ما يجري بأنه أكبر اضطراب في إمدادات نفط في تاريخ السوق العالمية.
وإذا استُخدم متوسط سعر برميل النفط عند 98 دولاراً، فإن الصدمة النقدية المباشرة على تدفقات الإيرادات النفطية وحدها تعادل نحو 6,86 مليارات دولار في الأسبوع. ويقول غريب إن هذه ليست كلها "خسارة نهائية، لأن جزءاً منها قد يكون إيراداً مؤجلاً إذا عاد التصدير لاحقاً، لكنها خسارة فورية في التدفقات النقدية والإنتاج؛ ومع إضافة الطيران والموانئ وأسواق المال وتعطّل الخدمات، فإن الخسائر الاقتصادية الإقليمية المباشرة في الشرق الأوسط خارج إيران تُقدَّر تقريباً بين 9 مليارات و18 مليار دولار في الأسبوع الأول، وترتفع إلى ما بين 17 و35 مليار دولار إذا شملت إيران.

خسائر سلاسل الإمداد
يقول غريب: "يجب التفريق بين الخسارة والكلفة الإضافية"، موضحاً بأن ما يحدث في سلاسل الإمداد لا يظهر فقط كأصول مدمرة، بل كارتفاع في أجور النقل والتأمين، وتأخير في التسليم، وتعطل في رأس المال العامل والمخزون.
ويضيف: "سجلت تكاليف الناقلات العملاقة في الشرق الأوسط مستويات قياسية، وأن أجور نقل الخام للشرق الأوسط-الصين تجاوزت 400 ألف دولار يومياً، فيما قفزت أيضاً أجور شحن الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 40%، كما أضافت شركات كبرى مثل (Hapag-Lloyd) و(CMA CGM) رسوم مخاطر حرب ورسوم نزاع طارئة على شحنات الخليج والبحر الأحمر وموانئ مثل العين السخنة.
إن خسائر سلاسل الإمداد بالمعنى الواسع تقدّر حالياً بين 3 و7 مليارات دولار أسبوعياً على الأقل، مع تركّز الأثر على الطاقة، البتروكيمياويات، المعادن، الغذاء، والطيران. هذا الرقم تقديري وتحليلي وليس إحصاءً رسمياً نهائياً، لكنه يتماشى مع شبه توقف الملاحة في مضيق هرمز، وقفزة التأمين، وتعليق عبور السفن، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
شركات الطاقة.. "أرباح على الورق"
يقول غريب إن الحرب رفعت الإيرادات ظاهرياً لشركات النفط والغاز عبر القفزات المتعاقبة في الأسعار، لكنها أضعفت الأرباح الفعلية للشركات الأكثر انكشافًا على الشرق الأوسط بسبب توقف الإنتاج، وتعطل الشحن، والقوة القاهرة، وارتفاع التأمين.
ويضيف أن المستفيد الرئيسي حتى الآن من الحرب الإيرانية "هو الُمنتج الأقل انكشافًا جغرافيًا على الحرب، خصوصًا بعض شركات النفط الأميركية، إلى جانب شركات الشحن".
أما شركات الطاقة الأكثر تضرراً من الحرب فهي المصافي الآسيوية التي خفضت معدلات التكرير جراء شّح الخامات الشرق أوسطية. مثلاً، شركة "سينوبك" المصنفة أكبر مكرر نفط في العالم من حيث الطاقة تخطط لخفض معدلات التكرير أكثر من 10% في آذار/مارس الجاري، أي ما يعادل 600 إلى 700 ألف برميل يومياً. ولفت غريب إلى شركات أخرى تضررت من حرب إيران مثل شركات البتروكيماويات، والمرافق الأوروبية، وكلاهما تضرروا للسبب نفسه وهو نقص إمدادات الخامات، والشركات الخليجية التي تواجه تعطلاً مباشراً، وإذا استمر النزاع أسابيع إضافية، فسننتقل من "صدمة أسعار" إلى "صدمة نتائج مالية" أكثر وضوحاً في تقارير الربع الثاني من هذا العام.
ويشير خبير أسواق المال إلى أن أسهم شركات النفط لم ترتفع بقدر ارتفاع الخام، فرغم صعود النفط، فإن مكاسب الأسهم بقيت محدودة نسبيًا، حيث ارتفع سهم "شل" (Shell) نحو 4.9%، و"شيفرون" (Chevron) نحو 2.6%، و"إكسون موبيل" (Exxon Mobil) نحو 0.9%، و"بريتش بتروليوم" (BP) نحو 7.8%، مقارنة بإغلاقات 27 شباط (فبراير)، وهو أداء أقل كثيرًا من صعود الخام نفسه، "والسبب هو أن السوق تراهن على أن الصدمة قد تكون مؤقتة، وهذا يظهر أيضًا في كون العقود الآجلة البعيدة أقل ارتفاعًا من الأسعار الفورية، فالسوق تظن أن الأرباح ستتحسن مؤقتًا، لكن ليس بالضرورة أن يغيّر ذلك الصورة الربحية طويلة الأجل.
صناعة السلاح: 5.5 مليارات دولار أرباح
يُعد قطاع صناعة الأسلحة من أكثر القطاعات المستفيدة من الحرب، حيث ارتفع سهم لوكهيد مارتن 3.3% في أول تداول أثناء الحرب 2 آذار (مارس)، كما صعدت أسهم رايثيون تيكنولوجيز (RTX) ونورثروب غرومان بأكثر من 4%، وقفز صندوق آي شيرز (iShares) للدفاع والطيران 2.8% إلى مستوى قياسي.
وحتى إغلاق 13 آذار، ظل سهم رايثيون عند 204.52 دولارات، ولوكهيد عند 646 دولاراً، ونورثروب عند 733.71 دولاراً، وجنرال دايناميكس عند 351.52 دولاراً، ما يعكس بقاء شهية المستثمرين مرتفعة تجاه الشركات الأكثر ارتباطاً بالصواريخ والدفاع الجوي، وفق تقرير وول ستريت جورنال.
وتشير التقديرات إلى إضافة أكبر شركات السلاح الأميركية المدرجة في وول ستريت نحو 5.5 مليارات دولار إلى قيمتها السوقية خلال أول 12 يوماً من الحرب، حتى إغلاق 11 آذار (مارس) 2026.
35 مليار دولار أرباح الأمن السيبراني
أضاف قطاع الأمن السيبراني نحو 30 إلى 35 مليار دولار من القيمة السوقية خلال أول 12 يوماً من الحرب الأميركية الإيرانية، استناداً إلى سلة ممثلة من أكبر الأسماء المرتبطة مباشرة بالإنفاق الدفاعي الرقمي، لا إلى كل القطاع العالمي، وفق تقديرات رويترز.
وتجدر الإشارة إلى زيادة إنفاق شركات قطاع الخدمات المالية (خصوصاً الأميركية) على الأمن السيبراني خلال أوقات الأزمات وتحديداً الحرب الإيرانية، لتفادي الهجمات الإلكترونية من قراصنة إيران.
تأمين السفن
تأثر قطاع تأمين السفن بصورة حادة عبر قفزة تاريخية في أقساط مخاطر الحرب، وتشدد في الاكتتاب، وانسحاب جزئي من بعض التغطيات. ففي الأيام الأولى، ألغت شركات حماية وتعويض كبرى مثل Gard وSkuld وNorthStandard وLondon P&I Club وAmerican Club تغطيات مخاطر الحرب لبعض السفن العاملة في المياه الإيرانية والخليج والمناطق المجاورة، على أن يسري الإلغاء اعتباراً من 5 مارس، بعد تعرض ناقلات وسفن لأضرار واحتجاز مئات السفن قرب مضيق هرمز.
قفزت كلفة تأمين السفن في الخليج خلال الأيام الـ12 الأولى من الحرب الإيرانية، مع انتقال السوق من التسعير الاعتيادي إلى نمط تغطية أكثر كلفة وتشدداً، بعدما رفعت شركات التأمين البحري أقساط مخاطر الحرب على هيكل السفينة من نحو 0.25% من قيمتها إلى ما يصل إلى 3% في بعض الحالات، أي زيادة تتجاوز 1000%، وهو ما يعني أن سفينة تتراوح قيمتها بين 200 و300 مليون دولار قد تواجه قسطاً يصل إلى 7.5 ملايين دولار للرحلة الواحدة.
وفي محاولة لاحتواء الاضطراب ودعم استمرار التجارة، أعلنت الولايات المتحدة برنامج إعادة تأمين بحري تصل قيمته إلى نحو 20 مليار دولار لتغطية خسائر الهياكل والبضائع في الخليج، في وقت بقيت فيه المنطقة تضم نحو ألف سفينة، نصفها تقريباً ناقلات نفط وغاز، بقيمة هياكل تتجاوز 25 مليار دولار، ما يعكس حجم الضغط الذي تعرض له قطاع التأمين البحري منذ الأيام الأولى للحرب، وفق رويترز.
نبض