هرمز: التردّد الأميركي ومخاطر اختناق الطاقة العالمية
يعود مضيق هرمز إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي العالمي مع تصاعد الحرب بين إيران, إسرائيل وأميركا في الشرق الأوسط، ليس بسبب حساسيته الجيوسياسية فحسب، بل أيضاً لأنّه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فالمضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي عبر بحر العرب تمرّ عبره يومياً كميات ضخمة من النفط تُقدّر بنحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، بالاضافة الى 20% من الغاز المسال المنقول من قطر. لذلك، فإن أي اضطرابٍ في حركة الملاحة فيه لا يُنظر إليه كحدثٍ سياسيٍ أو عسكريٍّ فحسب، بل كعاملٍ قادرٍ على إحداث صدمةٍ مباشرةٍ في الأسواق العالمية للطاقة وفي توازن الاقتصاد الدولي. وتُقدَّر القيمة السنوية للطاقة التي تعبر هذا الممر بأكثر من تريليون دولار، ما يعكس حجم الاعتماد العالمي عليه كممرٍ رئيسيٍّ لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
في هذا السياق، يبرز عامل أساسي يزيد من حساسية المشهد، وهو ما يمكن وصفه بالتردد الأميركي في حسم ملف أمن الملاحة في المضيق. فالولايات المتحدة تمتلك القدرات العسكرية والبحرية التي تجعلها اللاعب الأكثر تأثيراً في حماية طرق التجارة العالمية، إلا أن الغموض أو التأخر في اتخاذ موقفٍ حاسمٍ يعزز حالة عدم اليقين في الأسواق. هذه الحالة في ذاتها كافية لرفع علاوات المخاطر على أسعار النفط و الغاز، إذ إن الأسواق مع وقوع هذه الأزمة بدأت تتفاعل معها، بل حتى سبقتها عبر التسعير وفق السيناريوهات المحتملة. وفي الأسواق المالية يكفي مجرد الشك في أمن المضيق حتى رفعت شركات التأمين تسعيرتها و هو ما ينعكس مباشرةً على أسعار الطاقة. وقد ارتفعت الأسعار ولامست 120 دولاراً للبرميل نتيجة تعطل الإمدادات.
تزداد المخاوف أكثر عندما يُنظر إلى الأزمة من زاويةٍ أوسع، بحيث لا يقتصر الاغلاق على مضيق هرمز فقط. فاحتمال تدخل الحوثيين وتهديد الملاحة في البحر الأحمر يفتح الباب أمام أزمة مزدوجة قد تطاول اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم. فمضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن يُعدّ بدوره ممراً حيوياً للتجارة العالمية، بحيث تمر عبره ما بين 12 و15% من التجارة البحرية العالمية، وهو البوابة الأساسية لحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس بين آسيا وأوروبا. أي اضطرابٍ في هذا الممر قد يؤدي إلى تعطّل جزءٍ مهمٍ من التجارة العالمية، كما قد يدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يرفع أكلاف الشحن ويزيد الضغط التضخمي على الاقتصاد العالمي.
من الناحية الاقتصادية، لا تكمن خطورة هذه التطورات في احتمال توقف الإمدادات بشكل كامل، بل في هشاشة البدائل المتاحة. فالدول الخليجية طورت خلال السنوات الماضية بعض خطوط الأنابيب التي تسمح بتجاوز مضيق هرمز جزئياً، مثل خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، وخط أنابيب الإمارات الذي يصل إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق. غير أن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل تبقى محدودةً مقارنةً بحجم النفط الذي يمر يومياً عبر هرمز. فهذه الخطوط لا تستطيع نقل أكثر من نحو 6.5 ملايين برميل يومياً في أفضل الأحوال، أي أقل من 25% من الكميات التي تمر عبر المضيق عادةً. وحتى في حال تشغيلها بكامل طاقتها، فإنها لن تكون قادرةً على تعويض سوى جزءٍ صغيرٍ من الكميات التي تعطلت في حال حدوث أزمةٍ واسعةٍ في المضيق، مما يعني أن السوق العالمية تواجه عجزاً كبيراً في الإمدادات.
هذه المحدودية في البدائل تجعل الأسواق شديدة الحساسية لهذا التطور الأمني في المنطقة. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر دفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها بشكلٍ كبير، كما دفع بعض شركات الشحن إلى تجنب المرور في المناطق العالية المخاطر. وهذا بدوره أدى إلى زيادة تكلفة النقل وارتفاع أسعار الطاقة. فالعالم يعتمد على النقل البحري لنحو 60% من تجارة النفط العالمية، مما يجعل أي اضطرابٍ في الممرات البحرية الرئيسية عاملاً قادراً على تحريك الأسعار بسرعة.
انطلاقاً من ذلك، يمكن تصور سيناريوهات اقتصادية عدة محتملة في حال استمرار الحرب. ففي حال بقيت الحرب مدةً قصيرةً تبقى أسعار النفط ضمن نطاق مرتفع نسبياً يراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل نتيجة ارتفاع علاوات المخاطر. أما في حال حدوث إغلاقٍ لمدة تمتد بين 4 الى 8 أسابيع سواء عبر هرمز أو البحر الأحمر، فقد ترتفع الأسعار إلى مستوياتٍ بين 120 و130 دولاراً للبرميل مع تزايد الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي. أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في حدوث تعطّل واسع وإغلاقٍ طويلٍ للمضيق والبحر الأحمر، وهو احتمال فقدان ما يقارب 20 إلى 25% من إمدادات النفط العالمية، الأمر الذي قد يخلق صدمة طاقةٍ كبيرةٍ تعيد إلى الأذهان أزمات النفط في سبعينات القرن الماضي وتدفع الاقتصاد العالمي نحو تباطؤٍ حادٍ وربما ركود.
في المحصلة، لا تخشى الأسواق إغلاق مضيق هرمز أو احتمال اغلاق البحر الاحمر فحسب، بل تخشى أيضاً حالة الضبابية الاستراتيجية الناتجة من التردد الأميركي في التعامل مع أمن الملاحة في المنطقة. ففي عالمٍ يعتمد بشكل كبير على النقل البحري لتأمين إمدادات الطاقة، تتحول الممرات البحرية إلى نقاط اختناقٍ حساسةٍ يمكن لأي اضطراب فيها أن يتردد صداه في الاقتصاد العالمي بأكمله. ومع محدودية البدائل القادرة على تعويض الكميات الضخمة التي تمر عبر هذه الممرات، يبقى مضيق هرمز، ومعه البحر الأحمر، في قلب معادلة الطاقة العالمية، حيث أن تعطل لمدة طويلة يكون تأثيره يتجاوز حدود المنطقة ليطاول الأسواق والاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.
نبض