اختناق الممرات البحرية: عندما تضيق شرايين التجارة العالمية
يتزايد القلق في أسواق الطاقة والشحن العالمية مع عودة التوتر إلى أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، على الرغم من وجودها العسكري الكثيف في الخليج العربي في ظل حرب إيران، لم تبدأ حتى الآن مرافقة السفن التجارية في مضيق هرمز، وأبلغت قطاع الشحن أن مرافقة كهذه غير ممكنة في الوقت الراهن. ويعكس ذلك حدود استعداد واشنطن لتحمل تكلفة حماية بحرية شاملة في ممر تعبره شحنات تعادل نحو خُمْس استهلاك النفط العالمي. وفي الوقت نفسه، يظل البحر الأحمر عرضة إلى احتمال عودة هجمات "الحوثيين" على السفن، وهي هجمات دفعت سابقاً شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها بعيداً عن هذا الطريق.
يقف الاقتصاد العالمي اليوم أمام مفارقة لافتة: تبدو التجارة الدولية شبكة واسعة من الطرق والأسواق والموانئ، لكنها في الحقيقة تعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية الضيقة. هذه الممرات، التي تعبرها الطاقة والسلع والمواد الأولية، تمثل نقاط اختناق يمكن لأي اضطراب فيها أن يتردد صداه سريعاً في الأسواق العالمية. ومع تصاعد التوتر في مضيق هرمز واستمرار المخاطر التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر، يعود هذا الواقع إلى الواجهة ليكشف هشاشة البنية التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي.
يعتمد الاقتصاد الحديث بدرجة كبيرة على النقل البحري. وفق بيانات منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ينتقل أكثر من 80 في المئة من تجارة السلع العالمية مقاسة بالحجم عبر البحر. لذلك لا يبقى أي اضطراب في الممرات البحرية مجرد مسألة تخص شركات الشحن أو أمن الملاحة، بل يتحول سريعاً إلى مسألة اقتصادية تمس أسعار الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم.
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية. بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمرّ عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط، أي ما يعادل قرابة خُمْس الاستهلاك العالمي من النفط والمنتجات النفطية. كذلك تشكل التدفقات عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى مرور نحو خُمْس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
لا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها فحسب، بل أيضاً في وجهتها الجغرافية. حوالي 84 في المئة من النفط والمكثفات التي تعبر مضيق هرمز تتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولاسيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وهذا يعني أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق لا ينعكس فقط على أسعار النفط العالمية، بل قد يؤثر أيضاً في القلب الصناعي الآسيوي الذي يعتمد على الطاقة المستوردة من الخليج، وهو القلب الصناعي نفسه الذي يمد أسواق أوروبا وأميركا بجزء كبير من السلع المصنعة.
لكن أثر المخاطر في الممرات البحرية لا يتوقف عند أسعار الطاقة. يكفي مجرد ارتفاع مستوى التوتر لرفع أقساط التأمين على السفن التي تعبر المناطق الخطرة، كما يدفع شركات الشحن إلى زيادة أسعار النقل لتعويض المخاطر. تنقل وكالة "رويترز" أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على المرور عبر هرمز ارتفعت بما يصل إلى 300 في المئة في ذروة التوتر، فيما تجاوزت تكلفة استئجار بعض ناقلات النفط العملاقة على خط الشرق الأوسط الصين 400 ألف دولار يومياً في مطلع آذار (مارس) الجاري. هذا الارتفاع لا يعكس فقط خطورة الممر، بل يكشف أيضاً مدى حساسية سوق الشحن لأي إشارة إلى أن الحماية العسكرية غير مضمونة أو غير كافية.
وإذا كان مضيق هرمز يمثل شريان الطاقة العالمي، يشكّل البحر الأحمر وقناة السويس أحد أهم شرايين تجارة السلع المصنعة والحاويات بين آسيا وأوروبا. بحسب صندوق النقد الدولي، يمر عبر قناة السويس عادة نحو 15 في المئة من التجارة البحرية العالمية. وتشير بيانات "الأونكتاد" إلى أن القناة تعاملت في عام 2023، أي قبل حرب غزة، مع نحو 12 في المئة إلى 15 في المئة من التجارة العالمية، وإلى أن 22 في المئة من تجارة الحاويات المنقولة بحراً عالمياً مرت عبرها. هذه الأرقام تفسر لماذا تحول اضطراب البحر الأحمر من مشكلة أمنية إقليمية إلى قضية تمس سلاسل الإمداد العالمية مباشرة.
ولهذا السبب كان لاضطراب الملاحة في البحر الأحمر أثر مباشر في حركة التجارة الدولية. يبيّن صندوق النقد أن حجم التجارة المارة عبر السويس انخفض 50 في المئة على أساس سنوي في أول شهرين من حرب غزة، فيما ازداد المرور حول رأس الرجاء الصالح 74 في المئة فوق مستواه قبل سنة. وبحلول منتصف عام 2024، أظهرت بيانات "الأونكتاد" أن حمولة السفن العابرة لقناة السويس هبطت 70 في المئة، بينما قفز الوصول إلى رأس الرجاء الصالح 89 في المئة. بعبارة أخرى، لم يكن ما جرى مجرد تأخير محدود في بعض الرحلات، بل إعادة رسم فعلية لطرق التجارة البحرية.
هذا التحول في المسارات البحرية لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل حمل معه تكلفة اقتصادية واضحة. فالرحلات بين شرق آسيا وأوروبا أصبحت أطول بنحو 10 أيام أو أكثر في المتوسط عند الالتفاف حول أفريقيا، وفق صندوق النقد. ووثق البنك الدولي أن اضطرابات البحر الأحمر زادت، بحلول تشرين الأول (أكتوبر) 2024، مسافات الرحلات بنحو 48 في المئة لسفن البضائع و38 في المئة للناقلات، في حين زادت أزمنة الرحلات بما يصل إلى 45 في المئة و28 في المئة على التوالي. هذه الزيادات تفسر تلقائياً ارتفاع استهلاك الوقود، ونقص المعروض الفعلي من السفن، وازدياد تكلفة التشغيل في السوق العالمية.
كذلك يؤدي طول الرحلات إلى تجميد مزيد من رأس المال في البضائع العالقة في البحر لفترات أطول. فالبضائع التي كانت تصل إلى الأسواق خلال أسابيع تحتاج الآن إلى وقت أطول، ما يزيد تكاليف التخزين بالنسبة إلى الشركات الصناعية والتجارية، ويضغط على المصانع وتجار التجزئة الذين يعملون بهوامش زمنية ضيقة. وفي هذا السياق، يرصد البنك الدولي أن مؤشر الضغط على سلاسل الإمداد العالمية بلغ 2.3 مليون حاوية مكافئة في كانون الأول (ديسمبر) 2024، أي أكثر من ضعف مستواه في الشهر نفسه من عام 2023.
هذه التطورات انعكست بسرعة في سوق الحاويات العالمية. مع تحويل مسارات السفن وتفاقم المخاطر في البحر الأحمر، قفزت أسعار الشحن على الخطوط بين آسيا وأوروبا إلى مستويات أعلى بكثير من مستويات ما قبل الأزمة. تفيد "الأونكتاد" بأن الأسعار الفورية للشحن بلغت في منتصف عام 2024 مستويات لم تُسجَّل منذ اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية التي بدأت مع جائحة كوفيد-19 عام 2020 وتفاقمت مع حرب أوكرانيا في 2022. كذلك تشير إلى أن إطالة المسارات رفعت الطلب العالمي على السفن ثلاثة في المئة، ورفعت الطلب على سفن الحاويات 12 في المئة، وهو ما يفسر جانباً مهماً من القفزة في الأسعار حتى من دون إغلاق كامل للممرات.
لا تبقى هذه الارتفاعات محصورة في قطاع النقل البحري. ينتقل تدريجياً ازدياد تكاليف الشحن إلى أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق. تشير دراسات صندوق النقد إلى أن تضاعف تكاليف الشحن البحري يمكن أن يرفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.7 نقطة مئوية خلال العام التالي، نتيجة انتقال التكلفة الإضافية إلى أسعار الواردات والسلع النهائية. ومن هنا، لا تعني أزمة الممرات البحرية فقط تأخر البضائع أو تضخم فواتير النقل، بل تعني أيضاً ضغوطاً تضخمية إضافية تُفرَض على اقتصادات لم تتعافَ بالكامل بعد من صدمات السنوات الأخيرة.
هذه التطورات تكشف عن حقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي: تعتمد التجارة الدولية بدرجة كبيرة على عدد محدود من الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة ضخمة من حركة التجارة والطاقة. تشمل هذه الممرات مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق ملقا وقناة بنما، وهي نقاط استراتيجية يمكن لأي اضطراب فيها أن يعيد رسم مسارات التجارة العالمية ويغير تكلفتها وإيقاعها.
غير أن القلق الأكبر في الأسواق لا يتعلق بكل ممر على حدة، بل بإمكان تعرض أكثر من ممر رئيسي إلى ضغط في الوقت نفسه. إذا واجه مضيق هرمز اضطراباً يضغط على إمدادات الطاقة، بالتزامن مع استمرار المخاطر في البحر الأحمر التي تضرب طرق الحاويات بين آسيا وأوروبا، قد يتعرّض الاقتصاد العالمي إلى صدمة مزدوجة تضرب في آن واحد تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية. والمشكلة هنا ليست فقط في احتمال التعطل الكامل، بل في أن تكلفة المخاطر تبدأ في الظهور قبل ذلك بكثير: في التأمين، وفي أجور الشحن، وفي طول الرحلات، وفي اضطرار الشركات إلى إعادة بناء خططها اللوجستية على أساس عالم أكثر خطراً وأبطأ حركة.
حتى من دون إغلاق كامل لهذه الممرات، يكفي ارتفاع المخاطر وحده لإحداث أثر اقتصادي ملموس. قد تواصل السفن الإبحار، لكن بتكلفة أعلى وتأمين أغلى ومسارات أطول. والنتيجة هي ما يمكن وصفه بمرحلة "التجارة الأبطأ والأكثر تكلفة". وفي مرحلة كهذه لا تختفي السلع من الأسواق بالضرورة، لكن وصولها يصبح أبطأ، وأسعارها أعلى، وسلاسل الإمداد أقل مرونة وأكثر تعرضاً إلى الصدمات.
في عالم يعتمد على البحر لنقل معظم تجارته، تصبح هذه الممرات البحرية الضيقة أشبه بشرايين الاقتصاد العالمي. إذا تعثرت "دورتها الدموية" بسبب ضيق أصابها، لا يظل أثر ذلك محصوراً في منطقة واحدة، بل ينتقل سريعاً إلى مختلف أجزاء الاقتصاد العالمي. ولذلك لا يمثّل ما يجري اليوم في مضيق هرمز والبحر الأحمر مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على التعامل مع هشاشة البنية التي يقوم عليها.
نبض